الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

140

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وتوضيح ذلك : أن الهداية قد وردت في الآيات والروايات بمعنيين : " تبيان الطريق " ، و " الإيصال إلى المطلوب " ، وكذلك هداية الأئمة الإلهيين تتخذ صورتين : فيكتفون أحيانا بالأمر والنهي ، وأحيانا أخرى ينفذون إلى أعماق القلوب المستعدة والجديرة بالهداية ليوصلوها إلى الأهداف التربوية والمقامات المعنوية . وقد استعملت كلمة " الأمر " في بعض آيات القرآن بمعنى " الأمر التكويني " ، مثل : إنما أمره إذا أردا شيئا أن يقول له كن فيكون ( 1 ) ، وجملة يهدون بأمرنا في الآية مورد البحث إشارة إلى هذا المعنى أيضا ، أي إن أولئك كانوا أئمة ينفذون إلى النفوس المستعدة بقدرة الله ، ويسوقونها إلى الأهداف التربوية والإنسانية العالية ( 2 ) . إن هذا المعنى يستحق الملاحظة والانتباه ، وهو أحد شؤون الإمامة ، وفروع وطرق الهداية ، إلا أن حصر جملة : يهدون بأمرنا بهذا المعنى لا يوافق ظاهر الآية ، لكن لا مانع من أن نفسر كلمة الأمر في هذه الجملة بمعناها الواسع الذي يتضمن الأمر التكويني والتشريعي ، ويجمع كلا معنيي الهداية في الآية ، وهذا المعنى ينسجم مع بعض الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية . ولكن ، وعلى كل حال ، لا يمكن أن يصل الإمام والهادي إلى هذا المقام إلا في ظل اليقين والاستقامة فقط . ويبقى سؤال ، وهو : هل المراد من هؤلاء الأئمة في بني إسرائيل هم الأنبياء الذين بعثوا إليهم ، أم أن العلماء الذين كانوا يهدون الناس إلى الخيرات بأمر الله يدخلون في هذه الزمرة ؟ الآية ساكتة عن ذلك ، واكتفت بالقول بأننا قد جعلنا منهم أئمة ، لكن بملاحظة

--> 1 - سورة يس ، الآية 82 . 2 - تفسير الميزان ، المجلد الأول ، صفحة 275 .