الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
138
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إني القي إلي كتاب كريم . وفي نفس هذه السورة " سورة سليمان " في الآية ( 6 ) نقرأ في شأن القرآن الكريم وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم . بناء على هذا فإن فعل الإلقاء والتلقي قد استعمل مرارا في هذا المورد ، بل وحتى نفس فعل اللقاء قد استعمل في مورد صحيفة أعمال الإنسان ، فنقرأ في الآية ( 13 ) من سورة الإسراء : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . ومن مجموع ما قلناه يتضح ترجيح هذا التفسير على سائر الاحتمالات التي احتملت في الآية أعلاه ( 1 ) . لكن ينبغي الالتفات إلى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يشك في مثل هذه المسائل مطلقا ، بل إن مثل هذه التعبيرات تستعمل عادة لتأكيد المطلب ، وليكون نموذجا للآخرين . ثم تشير الآية التالية إلى الأوسمة والمفاخر التي حصل عليها بنو إسرائيل في ظل الاستقامة والإيمان لتكون درسا للآخرين ، فتقول : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون . لقد ذكرت الآية هنا شرطين للإمامة : أحدهما : الإيمان واليقين بآيات الله عز وجل ، والثاني : الصبر والاستقامة والصمود . وهذا الأمر ليس مختصا ببني
--> 1 - ذهب بعض المفسرين إلى أن مرجع الضمير في ( لقائه ) إلى موسى ، وبناء على هذا يصبح المعنى : لا شك يا محمد بأنك ستلتقي بموسى ، واعتبروا ذلك إشارة إلى لقائه به في ليلة المعراج أو في يوم القيامة . وهذا المعنى لا يبدو منسجما مع مفهوم الجملة . وقال البعض الآخر : إن الضمير يرجع إلى الكتاب ، والمراد منه القرآن ، أي : لا تدع أيها النبي للشك في أن هذا القرآن وحي إلهي إلى نفسك سبيلا ، وهذا المعنى وإن كان يتلائم مع آيات بداية السورة ، إلا أنه لا يتلاءم كثيرا مع الجمل الأخرى الموجودة في نفس هذه الآية . إضافة إلى أن الكتاب في الآية مورد البحث بمعنى التوراة ، فلا ينسجم معه عود الضمير إلى القرآن - وتوجيه هذا المعنى بأن المراد مطلق الكتاب السماوي لا يقلل من كونه خلاف الظاهر . وقال بعض المفسرين : إن الضمير في ( لقائه ) يعود إلى الله ، وهذه الجملة إشارة إلى أنه لا شك أبدا في مسألة المعاد ، وهذا المعنى وإن كان يتفق وينسجم مع الآيات السابقة ، إلا أنه لا يتلاءم من أي وجه تقريبا مع نفس الآية مورد البحث . ومن هنا يتضح أن ما ورد في بعض التفاسير من أن الآية إشارة إلى التقاء خطي وبرنامجي موسى ونبي الإسلام ، مطلب ذوقي لا يناسب المفهوم الواقعي لألفاظ الآية ، وبناء على هذا فإن أوضح التفاسير وأجلاها ما أوردناه أعلاه .