الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
133
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كتبها المفسرون بصورة منفصلة : فمن جملتها ، أن المراد المصائب والآلام والمشقة . أو القحط والجفاف الشديد الذي دام سبع سنين وابتلي به المشركون في مكة حتى اضطروا إلى أكل أجساد الموتى ! أو الضربة القاصمة التي نزلت عليهم في غزوة بدر ، وأمثال ذلك . أما ما احتمله البعض من أن المراد عذاب القبر ، أو العقاب في الرجعة فلا يبدو صحيحا ، لأنه لا يناسب جملة لعلهم يرجعون أي عن أعمالهم . من البديهي أن العذاب موجود في هذه الدنيا أيضا ، بحيث إذا نزل أغلقت أبواب التوبة ، وهو عذاب الاستئصال ، أي العذاب والعقوبات التي تنزل لفناء الأقوام العاصين حينما لا تنفع ولا تؤثر فيهم أي وسيلة توعية وتنبيه . وأما " العذاب الأكبر " فيعني عذاب يوم القيامة الذي يفوق كل عذاب حجما وألما . وهناك التفاتة أشار إليها بعض المفسرين في أنه لماذا جعل " الأدنى " في مقابل " الأكبر " ، في حين أنه يجب إما أن يقع الأدنى مقابل الأبعد ، أو الأصغر في مقابل الأكبر ؟ وذلك أن لعذاب الدنيا صفتين : كونه صغيرا ، وقريبا ، وليس من المناسب التأكيد على صغره عند التهديد ، بل يجب التأكيد على قربه . ولعذاب الآخرة صفتان أيضا : كونه بعيدا وكبيرا ، والمناسب في شأنه التأكيد على كبره وعظمته لا بعده - تأملوا جيدا - . وتقدم أن التعبير ب ( لعل ) في جملة لعلهم يرجعون بسبب أن الإحساس بالعقوبات التحذيرية ليس علة تامة للوعي واليقظة ، بل هو جزء العلة ، ويحتاج إلى أرضية مهيأة ، وبدون هذا الشرط لا يحقق النتيجة المطلوبة ، وكلمة ( لعل ) إشارة إلى هذه الحقيقة .