الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

108

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بدنه ، وكذلك المراحل التي طواها آدم بعد خلقه من التراب حتى نفخ الروح ( 1 ) . والتعبير ب‍ " النفخ " كناية عن حلول الروح في بدن الإنسان ، فكأنه شبه الحال بالهواء والتنفس ، بالرغم من أنه لا هذا ولا ذاك . فإن قيل : إن نطفة الإنسان منذ استقرارها في الرحم - بل وقبل ذلك - كانت كائنا حيا وعلى هذا فأي معنى لنفخ الروح ؟ قلنا في الجواب : إن النطفة عندما تنعقد في البداية ليس لها إلا نوعا من " الحياة النباتية " ، أي التغذية والنمو فقط ، أما الحس والحركة التي هي علامة " الحياة الحيوانية " ، وكذلك قوة الإدراكات التي هي علامة الحياة الإنسانية ، فلا أثر عن كل ذلك . إن تكامل النطفة في الرحم تصل إلى مرحلة تبدأ عندها بالحركة ، وتحيا وتنبعث فيها القوى الإنسانية الأخرى تدريجيا ، وهذه هي المرحلة التي يعبر عنها القرآن بنفخ الروح . أما إضافة " الروح " إلى " الله " فهي " إضافة تشريفية " ، أي إن روحا ثمينة وشريفة بحيث أن من المناسب أن تسمى " روح الله " قد دبت في الإنسان ونفخت فيه ، وهذا يبين حقيقة أن الإنسان وإن كان من ناحية البعد المادي يتكون من الطين والماء ، إلا أنه من البعد المعنوي والروحي يحمل " روح الله " . إن أحد طرفي وجوده ينتهي إلى التراب ، وطرفه الآخر يتصل بعرش الله ، فإنه خليط من الملائكة والحيوان ، ولوجود هذين البعدين فإن منحني صعوده ونزوله ، وتكامله وانحطاطه واسع جدا ( 2 ) .

--> 1 - البعض يعتبر هذه الآية إشارة إلى مراحل التكامل الجنيني فقط ، والبعض الآخر احتمل أن تكون إشارة إلى مراحل تكامل آدم بعد خلقه من التراب ، لأن عين هذه التعبيرات قد جاء في آيات أخرى من القرآن . إلا أنه لا مانع من أن تعود إلى الاثنين ، لأن خلق آدم من التراب ، ونسله من مني ، طوى ويطوي هذه المراحل . 2 - بحثنا في هذا الباب في ذيل الآية ( 29 ) من سورة الحجر .