السيد الطباطبائي

99

تفسير الميزان

عذابا إلهيا نكص على عقبيه هاربا . على أن سياق الآية الكريمة أقرب إلى إفادة هذا الوجه الثاني منه إلى الوجه الأول ، وخاصة بالنظر إلى قوله : ( وإني جار لكم ) وقوله : حتى إذا تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) وقوله : ( إني أرى ما لا ترون ) الآية فان إرجاع معنى قوله : ( إني أرى ) الخ مثلا إلى الخواطر النفسانية بنوع من العناية الاستعارية بعيد جدا . قوله تعالى : ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ) إلى آخر الآية ، أي يقول المنافقون وهم الذين أظهروا الايمان وأبطنوا الكفر ، والذين في قلوبهم مرض وهم الضعفاء في الايمان ممن لا يخلو نفسه من الشك والارتياب . يقولون - مشيرين إلى المؤمنين إشارة تحقير واستذلال - : غر هؤلاء دينهم إذ لولا غرور دينهم لم يقدموا على هذه المهلكة الظاهرة ، وهم شرذمة أذلاء لا عدة لهم ولا عدة ، وقريش على ما بهم من العدة والقوة والشوكة . قوله تعالى : ( ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم ) في مقام الجواب عن قولهم وإبانه غرورهم أنفسهم . وقوله : ( فان الله عزيز حكيم ) من وضع السبب موضع المسبب ، والمعنى : وقد أخطأ هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض في قولهم فان المؤمنين توكلوا على الله ونسبوا حقيقة التأثير إليه وضموا أنفسهم إلى قوته وحوله ، ومن يتوكل امره على الله فان الله يكفيه لأنه عزيز ينصر من استنصره حكيم لا يخطا في وضع كل أمر موضعه الذي يليق به . وفي الآية دليل على حضور جمع من المنافقين وضعفاء الايمان ببدر حين تلاقى الفئتين . اما المنافقون وهم الذين كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر فلا معنى لكونهم بين المشركين فلم يكونوا إلا بين المسلمين لكن الشأن في العامل الذي أوجب منهم الثبات واليوم يوم شديد . وأما الضعفاء الايمان أو لشاكون في حقيقة الاسلام فمن الممكن ان يكونوا بين المؤمنين أو في فئة المشركين وقد قيل : انهم كانوا فئة من قريش أسلموا بمكة واحتبسهم آباؤهم ، واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر حتى إذا حضروها وشاهدوا ما عليه المسلمون من القلة والذلة قالوا : مساكين هؤلاء غرهم دينهم ،