السيد الطباطبائي
39
تفسير الميزان
القتل بأطرافها إلى سبب إلهي غير عادى ، ولا ينافي ذلك استنادها بما وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعد المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم راميا لما رماه من الحصاة . وقوله : ( وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا ) الظاهران ضمير ( منه ) راجع إلى الله تعالى ، والجملة لبيان الغاية وهى معطوفة على مقدر محذوف ، والتقدير : إنما فعل الله ما فعل من قتلهم ورميهم لمصالح عظيمة عنده ، وليبلى المؤمنين ويمتحنهم بلاء وامتحانا حسنا أو لينعم عليهم بنعمة حسنة ، وهو إفناء خصمهم وإعلاء كلمة التوحيد بهم وإغناؤهم بما غنموا من الغنائم . وقوله : ( ان الله سميع عليم ) تعليل لقوله : ( وليبلى المؤمنين ) أي إنه تعالى يبليهم لأنه سميع باستغاثتهم عليم بحالهم فيبليهم منه بلاء حسنا . والتفريع الذي في صدر الآية : ( فلم تقتلوهم ) الخ متعلق بما يتضمنه الآيات السابقة : ( إذ تستغيثون ربكم ) إلى آخر الآيات من المعنى ، فإنها تعد منن الله عليهم من انزال الملائكة وامدادهم بهم وتغشيه النعاس إياهم وأمطار السماء عليهم وما أوحى إلى الملائكة من تأييدهم وتثبيت أقدامهم والقاء الرعب في قلوب أعدائهم ، فلما بلغ الكلام هذا المبلغ فرع عليه قوله : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) . وعلى هذا فقوله : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ) إلى قوله و ( بئس المصير ) معترضة متعلقة بقوله : ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) أو بمعناه المفهوم من الجمل المسرودة ، وقوله : ( فلم تقتلوهم ) الخ متصل بما قبله بحسب النظم . وربما يذكر في نظم الآية وجهان آخران : أحدهما : ان الله سبحانه لما أمرهم بالقتل في الآية المتقدمة ذكر عقيبها ان ما كان من الفتح يوم بدر وقهر المشركين انما كان بنصرته ومعونته تذكيرا للنعمة . ذكره أبو مسلم . والثاني : انهم لما أمروا بالقتال ثم كان بعضهم يقول : أنا قتلت فلانا وأنا فعلت كذا نزلت الآية على وجه التنبيه لهم لئلا يعجبوا بأعمالهم . وربما قيل : ان الفاء في