السيد الطباطبائي

341

تفسير الميزان

سبب للرضي والشكر موضع سبب النقمة والسخطة كالظلم والغضب وان شئت قلت : وضع فيه الاحسان موضع الإساءة ، ففيه نوع من التهكم المشوب بالذم نظير ما في قوله تعالى : ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) الواقعة : 82 أي تجعلون رزقكم سببا للتكذيب بآيات الله وهو سبب بحسب الطبع لشكر النعمة والرضا بالموهبة على ما قيل : إن المعنى : وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون . والضمير في قوله : ( من فضله ) راجع إلى الله سبحانه ، قال في المجمع : وإنما لم يقل : من فضلهما لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيما لله ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن سمعه يقول : ( من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى ) : بئس خطيب القوم أنت فقال : كيف أقول يا رسول الله ؟ قال : قل : ومن يعص الله ورسوله ، وهكذا القول في قوله سبحانه : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) وقيل : إنما لم يقل من فضلهما لان فضل الله منه وفضل رسوله من فضله ، انتهى كلامه . وهناك وراء التعظيم أمر آخر قدمنا القول فيه في تفسير قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) المائدة : 73 في الجزء السادس من الكتاب ، وهو أن وحدته تعالى ليست من سنخ الوحدة العددية حتى يصح بذلك تأليفها مع وحدة غيره واستنتاج عدد من الاعداد منه . ثم بين الله سبحانه لهؤلاء المنافقين أن لهم مع هذه الذنوب المهلكة وصريح كفرهم بالله وهمهم بما لم ينالوا أن يرجعوا إلى ربهم ، وبين عاقبة أمر هذه التوبة وعاقبة التولي والاعراض عنها فقال : ( فان يتوبوا يك خيرا لهم ) لأدائه إلى المغفرة والجنة ( وإن يتولوا ) ويعرضوا عن التوبة ( يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ) بالسياسة والنكال أو بإغراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم أو بالمكر والاستدراج ، ولو لم يكن من عذابهم إلا أنهم مخالفون بنفاقهم نظام الأسباب المبنى على الصدق والايمان فتقادمهم سلسلة الأسباب وتحطمهم وتفضحهم لكان فيه كفاية ، وقد قال الله : ( والله لا يهدى القوم الفاسقين ) التوبة : 24 ( والآخرة ) بعذاب النار . وقوله تعالى : ( وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير ) معناه أن هؤلاء لا ولى لهم في الأرض يتولى أمرهم ويصرف العذاب عنهم ، ولا نصير ينصرهم ويمدهم بما يدفعون به العذاب الموعود عن أنفسهم لان سائر المنافقين أيضا منهم وكلمة الفساد يجمعهم