السيد الطباطبائي
245
تفسير الميزان
قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ) الأحبار جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو العالم وغلب استعماله في علماء اليهود والرهبان جمع راهب وهو المتلبس بلباس الخشية وغلب على المتنسكين من النصارى . واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من غير قيد وشرط ولا يطاع كذلك الا الله سبحانه . وأما اتخاذهم المسيح بن مريم ربا من دون الله فهو القول بألوهيته بنحو كما هو المعروف من مذاهب النصارى ، وفي إضافة المسيح إلى مريم إشارة إلى عدم كونهم محقين في هذا الاتخاذ لكونه إنسانا ابن مرأة . ولكون الاتخاذين مختلفين من حيث المعنى فصل بينهما فذكر اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله أولا ، ثم عطف عليه قوله : ( والمسيح بن مريم ) . والكلام كما يدل على اختلاف الربوبيتين كذلك لا يخلو عن دلالة على أن قولهم ببنوة عزير وبنوة المسيح على معنيين مختلفين ، وهو البنوة التشريفية في عزير والبنوة بنوع من الحقيقة في المسيح عليه السلام فإن الآية أهملت ذكر اتخاذهم عزيرا ربا من دون الله ، ولم يذكر مكانه إلا اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله . فهو رب عندهم بهذا المعنى إما لاستلزام التشريف بالبنوة ذلك أو لأنه من أحبارهم وقد أحسن إليهم في تجديد مذهبهم ما لا يقاس به إحسان غيره ، وأما المسيح فبنوته غير هذه البنوة . وقوله : ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ) جملة حالية أي اتخذوا لهم أربابا والحال هذه . وفي الكلام دلالة أولا : على أن الاتخاذ بالربوبية بواسطة الطاعة كالاتخاذ بها بواسطة العبادة فالطاعة إذا كانت بالاستقلال كانت عبادة ، ولازم ذلك أن الرب الذي هو المطاع من غير قيد وشرط وعلى نحو الاستقلال إله ، فإن الاله هو المعبود الذي من حقه أن يعبد ، يدل على ذلك كله قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الها واحدا ) حيث بدل الرب بالإله ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وما أمروا إلا ليتخذوا ربا واحدا فالاتخاذ للربوبية بواسطة الطاعة المطلقة عبادة ، واتخاذ الرب معبودا اتخاذ