السيد الطباطبائي
9
تفسير الميزان
قوله تعالى : " وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون " تذكير لهم بسنة الله الجارية في المشركين من الأمم الماضية إذ اتخذوا من دون الله أولياء فأهلكهم الله بعذاب أنزله إليهم ليلا أو نهارا فاعترفوا بظلمهم . و " البيات " التبييت وهو قصد العدو ليلا ، و " القائلون " من القيلولة وهو النوم نصف النهار ، وقوله : " بياتا أو هم قائلون " ولم يقل ليلا أو نهارا كأنه للإشارة إلى أخذ العذاب إياهم وهم آخذون في النوم آمنون مما كمن لهم من البأس الإلهي الشديد غافلون مغفلون . قوله تعالى : " فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين " تتميم للتذكير يبين أن الانسان بوجدانه وسره يشاهد الظلم من نفسه إن اتخذ من دون الله أولياء بالشرك ، وأن السنة الإلهية أن يأخذ منه الاعتراف بذلك ببأس العذاب إن لم يعترف به طوعا ولم يخضع لمقام الربوبية فليعترف اختيارا وإلا فسيعترف اضطرارا . قوله تعالى : " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " دل البيان السابق على أنهم مكلفون بتوحيد الله سبحانه موظفون برفض الأولياء من دونه غير مخلين وما فعلوا ، ولا متروكون وما شاؤوا ، فإذا كان كذلك فهم مسؤولون عما أمروا به من الايمان والعمل الصالح ، وما كلفوا به من القول الحق ، والفعل الحق وهذا الامر والتكليف قائم بطرفين : الرسول الذي جاءهم به والقوم الذين جاءهم ، ولهذا فرع على ما تقدم من حديث إهلاك القرى وأخذ الاعتراف منهم بالظلم قوله : " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " . وقد ظهر بذلك أن المراد بالذين أرسل إليهم الناس وبالمرسلين الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وما قيل : أن المراد بالذين أرسل إليهم الأنبياء ، وبالمرسلين الملائكة لا يلائم السياق إذ لا وجه لاخراج المشركين عن شمول السؤال والكلام فيهم . على أن الآية التالية لا تلائم ذلك أيضا . على أن الملائكة لم يدخلوا في البيان السابق بوجه لا بالذات ولا بالتبع . قوله تعالى : " فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين " دل البيان السابق على أنهم مربوبون مدبرون فسيسألون عن أعمالهم ليجزوا بما عملوا ، وهذا إنما يتم فيما إذا كان