السيد الطباطبائي

333

تفسير الميزان

وهو " نبأ " الرجل " الذي آتيناه آياتنا " وكشفنا لباطنه عن علائم وآثار إلهية عظام يتنور له بها حق الامر " فانسلخ منها " ورفضها بعد لزومها " فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين " فلم يقو على إنجاء نفسه من الهلاك . قوله تعالى : " ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه " الآية الاخلاد اللزوم على الدوام ، والاخلاد إلى الأرض اللصوق بها ، وهو كناية عن الميل إلى التمتع بالملاذ الدنيوية والتزامها ، واللهث من الكلب أن يدلع لسانه من العطش . فقوله : " ولو شئنا لرفعناه بها " أي لو شئنا لرفعناه بتلك الآيات وقربناه إلينا لان في القرب إلى الله ارتفاعا عن حضيض هذه الدنيا التي هي بما لها من اشتغال الانسان بنفسها عن الله وآياته أسفل سافلين ، ورفعه بتلك الآيات بما أنها أسباب إلهية ظاهرية تفيد اهتداء من تلبس بها لكنها لا تحتم السعادة للانسان لان تمام تأثيرها في ذلك منوط بمشيئة الله ، والله سبحانه لا يشاء ذلك لمن أعرض عنه وأقبل إلى غيرها . وهي الحياة الأرضية اللاهية عن الله ودار كرامته فإن الاعراض عن الله سبحانه وتكذيب آياته ظلم ، وقد حق القول منه سبحانه أنه لا يهدي القوم الظالمين ، وأن الذين كفروا وكذبوا بآياته أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . ولذلك عقب تعالى قوله : " ولو شئنا لرفعناه بها " بقوله : " لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه " فالتقدير : لكنا لم نشأ ذلك لأنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان ذلك موردا لا ضلالنا لا لهدايتنا كما قال تعالى : " ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " إبراهيم : 27 . وقوله : " فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " أي إنه ذو هذه السجية لا يتركها سواء زجرته ومنعته أو تركته و " تحمل " من الحملة لا من الحمل " ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا " فالتكذيب منهم سجية وهيئة نفسانية خبيثة لازمة فلا تزال آياتنا تتكرر على حواسهم ويتكرر التكذيب بها منهم " فاقصص القصص " وهو مصدر أي أقصص قصصا أو اسم مصدر أي اقص القصة " لعلهم يتفكرون " فينقادوا للحق وينتزعوا عن الباطل . قوله تعالى : " ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون " ذم