السيد الطباطبائي
32
تفسير الميزان
نفسه في سبيل حياتهم . والمراد باليمين وهو الجانب القوي الميمون من الانسان ناحية سعادتهم وهو الدين وإتيانه من جانب اليمين أن يزين لهم المبالغة في بعض الأمور الدينية ، والتكلف بما لم يأمرهم به الله وهو الذي يسميه الله تعالى باتباع خطوات الشيطان . والمراد بالشمال خلاف اليمين ، وإتيانه منه أن يزين لهم الفحشاء والمنكر ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتباع الأهواء . قال الزمخشري في الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : " من بين أيديهم ومن خلفهم " بحرف الابتداء ، و " عن أيمانهم وعن شمائلهم " بحرف المجاوزة ؟ قلت : المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس وإنما يبحث عن صحة موقعها فقط . فلما سمعناهم يقولون : جلس عن يمينه وعلى يمينه وجلس عن شماله وعلى شماله قلنا : معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه ، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في " تعال " انتهى موضع الحاجة . وقوله تعالى : " ولا تجد أكثرهم شاكرين " نتيجة ما ذكره من صنعه بهم بقوله : " لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم " الخ ، وقد وضع في ما حكاه الله من كلامه في غير هذا الموضع بدل هذه الجملة أعني " ولا تجد أكثرهم شاكرين " جملة أخرى قال : " قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا " أسرى : 62 فاستثنى من وسوسته وإغوائه القليل مطابقا لما في هذه السورة ، وقال : " لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " الحجر : 40 ، ص : 83 . ومنه يظهر أنه إنما عنى بالشاكرين في هذا الموضع المخلصين ، والتأمل الدقيق في معنى الكلمتين يرشد إلى ذلك فإن المخلصين - بفتح اللام - هم الذين أخلصوا لله فلا يشاركه فيهم أي في عبوديتهم وعبادتهم سواه ، ولا نصيب فيهم لغيره ولا يذكرون إلا ربهم وقد نسوا دونه كل شئ حتى أنفسهم فليس في قلوبهم إلا هو سبحانه ، ولا موقف فيها للشيطان ولا لتزييناته .