السيد الطباطبائي
308
تفسير الميزان
وعلى هذا يكون قولهم : " بلى شهدنا " من قبيل القول بلسان الحال أو إسناد اللازم القول إلى القائل بالملزوم حيث اعترفوا بحاجاتهم ولزمه الاعتراف بمن يحتاجون إليه ، والفرق بين لسان الحال ، والقول بلازم القول : أن الأول انكشاف المعنى عن الشئ لدلالة صفة من صفاته وحال من أحواله عليه سواء شعر به أم لا كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها ، وكيف لعب الدهر بهم ؟ وعدت عادية الأيام عليهم ؟ فأسكنت أجراسهم وأخمدت أنفاسهم ، وكما يتكلم سيماء البائس المسكين عن فقره ومسكنته وسوء حاله . والثاني انكشاف المعنى عن القائل لقوله بما يستلزمه أو تكلمه بما يدل عليه بالالتزام . فعلى أحد هذين النوعين من القول أعني القول بلسان الحال والقول بالاستلزام يحمل اعترافهم المحكي بقوله تعالى : " قالوا بلى شهدنا " والأول أقرب وأنسب فإنه لا يكتفي في مقام الشهادة إلا بالصريح منها المدلول عليه بالمطابقة دون الالتزام . ومن المعلوم أن هذه الشهادة على أي نحو تحققت فهي من سنخ الاستشهاد المذكور في قوله : " ألست بربكم " فالظاهر أنه قد استوفى الجواب بعين اللسان الذي سألهم به ، ولذلك كان هناك نحو ثالث يمكن أن يحمل عليه هذه المسألة والمجاوبة فإن الكلام الإلهي يكشف به عن المقاصد الإلهية بالفعل ، والايجاد كلام حقيقي - وإن كان بنحو التحليل - كما تقدم مرارا في مباحثنا السابقة فليكن هنا قوله : " ألست بربكم " وقولهم : " بلى شهدنا من ذاك القبيل ، وسيجئ للكلام تتمه . وكيف كان فقوله : " وإذ أخذ ربك من بني آدم " الآية يدل على تفصيل بني آدم بعضهم من بعض ، وإشهاد كل واحد منهم على نفسه ، وأخذ الاعتراف على الربوبية منه ، ويدل ذيل الآية وما يتلوه أعني قوله : " أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " على الغرض من هذا الاخذ والاشهاد . وهو على ما يفيده السياق إبطال حجتين للعباد على الله وبيان أنه لولا هذا الاخذ والاشهاد وأخذ الميثاق على انحصار الربوبية كان للعباد أن يتمسكوا يوم القيامة