السيد الطباطبائي
235
تفسير الميزان
ولا سبيل لنا إلى ما لا نشاهده ؟ كما يقوله عبدة الأصنام . فقال : اعبدوه بما تعرفونه من صفته فإنه فضلكم على سائر الأمم بآياته الباهرة ودينه الحق وإنجائكم من فرعون وعمله ، فالآية - كما ترى - ألطف بيان وأوجز برهان يجلي عن الحق الصريح للأذهان الضعيفة التعقل . قوله تعالى : " وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب " إلى آخر الآية . سامه العذاب يسومه أي حمله ذلك على طريق الاذلال ، والتقتيل الاكثار في القتل والاستحياء الاستبقاء للخدمة وقد تقدم ، والظاهر أن قوله : " وفي ذلكم " إشارة إلى ما ذكر من سوء تعذيب آل فرعون لهم . والآية خطاب امتناني للموجودين من أخلافهم حين النزول يمتن الله فيها عليهم بما من به على آبائهم في زمن فرعون كما قيل ، والأنسب بالسياق أن يكون خطابا لأصحاب موسى بعينهم مسوقا سوق التعجب إذا نسوا عظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم من تلك البلية العظيمة ، ونظيره في الغيبة قوله تعالى فيما سيأتي : " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا " . قوله تعالى : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة " إلى آخر الآية . الميقات قريب المعنى من الوقت ، قال في المجمع : الفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال ، والوقت وقت الشئ وقدره ، ولذلك قيل : مواقيت الحج وهي المواضع التي قدرت لاحرام فيها ( انتهى ) . وقد ذكر الله سبحانه المواعدة وأخذ أصلها ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر ليال أخر ثم ذكر الفذلكة وهى أربعون ، وإما الذي ذكره في موضع آخر إذ قال : " وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة " البقرة : 51 فهو المجموع المتحصل من المواعدتين أعني أن آية البقرة تدل على أن مجموع الأربعين كان عن مواعدة ، وآية الأعراف على أن ما في آية البقرة مجموع المواعدتين . وبالجملة يعود المعنى إلى أنه تعالى وعده ثلاثين ليلة للتقريب والتكليم ثم وعده عشرا آخر لاتمام ذلك فتم ميقات ربه أربعين ليلة ، ولعله ذكر الليالي دون الأيام - مع أن موسى مكث في الطور الأربعين بأيامها ولياليها ، والمتعارف في ذكر المواقيت