السيد الطباطبائي

123

تفسير الميزان

ثم إن التعبير بمثل قوله : " رجال يعرفون " إلخ ، وخاصة بالتنكير يدل بحسب عرف اللغة على اعتناء تام بشأن الافراد المقصودين باللفظ نظرا إلى دلالة الرجل بحسب العادة على الانسان القوي في تعقله وإرادته الشديد في قوامه . وعلى ذلك يجري ما يوجد في كلامه تعالى من مثل هذا التعبير كقوله تعالى : " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " النور : 37 ، وقوله : " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " التوبة : 108 ، وقوله : " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " الأحزاب : 23 ، وقوله : " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم " يوسف : 109 حتى في مثل قوله : " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار " ص : 62 ، وقوله : " وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن " الجن : 6 . فالمراد برجال في الآية أفراد تامون في إنسانيتهم لا محالة ، وإن فرض أن فيهم أفرادا من النساء كان من التغليب . وأما المستضعفون فإنهم ضعفاء أفراد الانسان لا مزية في أمرهم توجب الاعتناء بشأنهم ، وفيهم النساء والأطفال حتى الأجنة ، ولا فضل لبعضهم على بعض ، ولرجالهم على غيرهم حتى يعبر به عنهم بالرجال تغليبا فلو كانوا هم المرادين بقوله " رجال يعرفون " الخ ، لكان حق التعبير أن يقال : قوم يعرفون الخ ، أو أناس أو طائفة أو نحو ذلك كما هو المعهود من تعبيرات القرآن الكريم في أمثال هذه الموارد كقوله تعالى : " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم " الأعراف : 164 ، وقوله : " إنهم أناس يتطهرون " الأعراف : 82 ، وقوله : " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة " الصف : 14 . على أن ما يصفهم الله تعالى به في الآيات التالية من الأوصاف ويذكرهم به من الشؤون أمور تأبى إلا أن يكون القائمون به من أهل المنزلة والمكانة ، وأصحاب القرب والزلفى فضلا أن يكونوا من الناس المتوسطين فضلا أن يكونوا من المستضعفين . فأول ذلك : أنهم جعلوا على الأعراف ووصفوا بأنهم مشرفون على أهل الجمع عامة ومطلعون على أصحاب الجنة وأصحاب النار يعرفون كل إنسان منهم بسيماه الخاص به ويحيطون بخصوصيات نفوسهم وتفاصيل أعمالهم ، ولا ريب أن ذلك منزلة رفيعة يختصون بها من بين الناس وليست مشاهدة جميع الناس يوم القيامة وخاصة بعد دخول