الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

91

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" النبي صالح وقومه " . يقول القرآن في هذا الشأن وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون . ومع ملاحظة أن " الرهط " يعني في اللغة الجماعة التي تقل عن العشرة أو تقل عن الأربعين ، فإنه يتضح أن كلا من المجموعات الصغيرة التسع كان لها منهج خاص ، وقد اجتمعوا على أمر واحد ، وهو الإفساد في الأرض والاخلال بالمجتمع ( ونظامه الاجتماعي ) ومبادئ العقيدة والأخلاق فيه . وجملة " لا يصلحون " تأكيد على هذا الأمر ، لأن الإنسان قد يفسد في بعض الحالات ثم يندم ويتوجه نحو الإصلاح . . إن المفسدين الواقعيين ليسوا كذلك ، فهم يواصلون الفساد والإفساد ولا يفكرون بالإصلاح ! . وخاصة أن الفعل في الجملة " يفسدون " فعل مضارع ، وهو يدل على الاستمرار ، فمعناه أن إفسادهم كان مستمرا . . . وكل رهط من هؤلاء التسعة كان له زعيم وقائد . . . ويحتمل أن كلا ينتسب إلى قبيلة ! . ولا ريب أن ظهور " صالح " بمبادئه السامية قد ضيق الخناق عليهم ، ولذلك تقول الآية التالية في حقهم : قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون . " تقاسموا " فعل أمر ، أي اشتركوا جميعا في اليمين ، وتعهدوا على هذه المؤامرة الكبرى تعهدا لا عودة فيه ولا انعطاف ! . الطريف أن أولئك كانوا يقسمون بالله ، ويعني هذا أنهم كانوا يعتقدون بالله ، مع أنهم يعبدون الأصنام ، وكانوا يبدأون باسمه في المسائل المهمة . . كما يدل هذا الأمر على أنهم كانوا في منتهى الغرور و " السكر " بحيث يقومون بهذه الجناية الكبرى على اسم الله وذكره ! ! فكأنهم يريدون أن يقوموا بعبادة أو خدمة مقبولة . . . إلا أن هذا نهج الغافلين المغرورين الذين لا يعرفون الله والضالين عن الحق .