الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

480

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وحيث كانت أكبر قدرة - في ذلك العصر - تعني التقدم في الزراعة والرقي الملحوظ من حيث البناء والعمارات ، فإنه يتضح رفعة الأمم السالفة وعلوهم على مشركي مكة الذين كانت قدرتهم في هذه المجالات محدودة جدا . إلا أن أولئك مع كل قدراتهم حين أنكروا آيات الله وكذبوا الأنبياء ، لم يستطيعوا الفرار من مخالب العقاب ، فكيف تستطيعون الفرار من عذاب الله ؟ ! وهذا العقاب والجزاء الأليم هو نتيجة أعمالهم المهلكة أنفسهم ، إذ ظلموا أنفسهم ، ولا يظلم ربك أحدا . أما آخر آية من الآيات محل البحث ، فتبين آخر مرحلة من كفرهم فتقول : ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون . أجل ، إن الذنب أو الإثم يقع على روح الإنسان كالمرض الخبيث ، فيأكل إيمانه ويعدمه ، ويبلغ الأمر حدا يكذب الإنسان فيه آيات الله ، وأبعد من ذلك أيضا إذ يحمل الذنب صاحبه على الاستهزاء بالأنبياء ، والسخرية بآيات الله ، ويبلغ مرحلة لا ينفع معها وعظ ونصيحة أبدا ، ولا تؤثر فيه أية حكمة وأية آية ، ولا يبقى طريق سوى أسواط عذاب الله المؤلمة له . إن نظرة واحدة في صفحات تاريخ كثير من الجناة والبغاة تكشف أنهم لم يكونوا هكذا في بداية الأمر ، إذ كان لديهم على الأقل نور إيمان ضعيف يشع في قلوبهم ، ولكن ارتكابهم للذنوب المتتابعة سبب يوما بعد آخر أن ينفصلوا عن الإيمان والتقوى ، وأن يبلغوا آخر الأمر إلى المرحلة النهائية من الكفر . ونلاحظ في خطبة العقيلة زينب ( عليها السلام ) أمام يزيد بن معاوية في الشام ، النتيجة ذاتها التي أشرنا إليها آنفا . . . لأنها حين رأت يزيد يسخر بكل شئ ويتكلم بكلمات الكفر وأنشد أشعارا من ضمنها : ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل