الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
478
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فتقول : أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض إلا بالحق وأجل مسمى . أي : لو أنهم فكروا جيدا ورجعوا إلى عقلهم في الحكم ووجدانهم ، لكانوا يطلعون جيدا على هذين الأمرين : أولا : إن العالم خلق على أساس الحق ، وتحكمه أنظمة هي دليل على أن الخالق لهذا العالم ذو علم مطلق وقدرة كاملة . وثانيا : هذا العالم يمضي إلى الزوال ، وحيث أن الخالق الحكيم لا يمكن أن يخلقه عبثا ، فيدل ذلك على وجود عالم آخر هو الدار الباقية بعد هذه الدنيا ، وإلا فلا مفهوم لخلق هذا العالم ، وهذا الخلق الطويل العريض لا يعقل أن يكون من أجل أيام معدودات في الحياة الدنيا ، وبذلك يذعنون بوجود الآخرة ! . فعلى هذا يكون التدقيق في نظم هذا العالم وحقانيته دليلا على وجود المبدأ ، والتدقيق في أن هناك " أجلا مسمى " دليل على المعاد " فلاحظوا بدقة " . لذلك يضيف القرآن في نهاية الآية قائلا : وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون فينكرون لقاء الله . أو إنهم ينكرون المعاد أصلا ، كما نقلنا عن قول المشركين مرارا في آيات القرآن ، إذ كانوا يقولون : أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد إن هذا إلا اختلاق إن هذا لشئ عجاب . إن هذا . . إن هذا . . الخ . . وبتعابير مختلفة " كما ورد في سورة الرعد الآية ( 5 ) ، وسورة المؤمنون الآية ( 35 ) ، وسورة النمل الآية ( 67 ) ، وسورة ق الآية ( 3 ) وفي غيرها من السور " . أو إنهم لا ينكرون بلسانهم ، لكن أعمالهم " ملوثة " ومخزية تدل على أنهم غير معتقدين بالمعاد ، إذ لو كانوا يعتقدون بالمعاد لم يكونوا فاسدين أو مفسدين ! . والتعبير ب في أنفسهم لا يعني أن يطالعوا في أسرار وجودهم ، كما يدعي الفخر الرازي في تفسيره ، بل المراد منه أن يفكروا في داخل أنفسهم عن طريق