الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

454

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وفي الآيات - محل البحث - يرد القرآن عليهم بطريق آخر فيقول : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا أي أرض مكة المكرمة . في حين أن العرب كانوا يعيشون في حالة غير آمنة خارج مكة ، وكانت قبائلهم مشغولة بالنهب والسلب والغارات ، إلا أن هذه الأرض باقية على أمنها ويتخطف الناس من حولهم . فالله المقتدر على أن يجعل في هذا البحر المتلاطم والطوفان المحدق بأرض الحجاز " من الفتن " حرم مكة كالجزيرة الهادئة الآمنة وسط البحر . كيف لا يمكنه أن يحفظهم من أعدائهم ؟ ! وكيف يخافون الناس الضعاف قبال قدرة الله العظيمة جل وعلا ؟ أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون . وملخص الكلام ، إن الله القادر على أن يجعل في أرض مضطربة في وسط جماعة من الناس أنصاف وحشيين منطقة صغيرة آمنة ، فكيف لا يقدر على حفظ جماعة المؤمنين القلائل بين جماعات كثيرة من الكفار . وبعد ذكر هذا الدليل الواضح ينتهي القرآن إلى هذه النتيجة في الآية التالية ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه . لقد قدمنا دلائل واضحة لكم على أنه لا شئ أحق بالعبادة وأحرى بها من الله ، لكنكم كذبتم على الله ، وصنعتم له شركاء بأيديكم ، وتدعون أن هذا هو منهج إلهي . ومن جهة أخرى ، فإن القرآن الذي أنزلناه عليكم فيه دلائل الحق لائحة واضحة ، إلا أنكم لم تكترثوا به ، وألقيتموه وراءكم ظهريا ! فهل يتصور ظلم أشد من هذا ؟ ! لقد ظلمتم أنفسكم وظلمتم الناس جميعا ، لأن الشرك ظلم عظيم . وبتعبير آخر : هل الظلم بمعناه الوسيع إلا الانحراف وإخراج الشئ عن محله الجدير به ، وهل يرى أسوأ من أن يعد الإنسان حفنة من الأحجار المصنوعة التي لا قيمة لها أو الخشب المصنوع شركاء للخالق سبحانه الذي