الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
442
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أجل ، هذا الصبر وهذه الاستقامة هما رمز انتصارهم وعامل فخرهم الكبير ، وبدونه لا يتحقق عمل إيجابي في الحياة . ثم بعد هذا كله ، فهم لا يعتمدون على أموالهم ولا على أصدقائهم ، بل يعتمدون على الله ويتوكلون على ذاته المقدسة ، وإذ ابتغى ألف عدو هلاكهم تمثلوا قائلين : " امتحانك رحمة فلا أكترث بالأعداء " . وإذ أمعنا النظر وفكرنا جيدا رأينا أن الصبر والتوكل هما أساس جميع الفضائل الإنسانية ، فالصبر هو عامل الاستقامة أمام العوائق والمشاكل ، والتوكل هو الهدف والباعث على الحركة في هذا الطريق المديد الملتوي . وفي الحقيقة ينبغي الاستمداد من هاتين الفضيلتين ( الصبر والتوكل ) للأعمال الصالحة ، إذ بدونهما لا يمكن أن تؤدى الأعمال الصالحة بالمقياس الواسع ( 1 ) . وفي آخر آية - من الآيات محل البحث - جواب لأولئك الذين كان لسان حالهم أو لسان مقالهم يقول إذا خرجنا عن ديارنا وأهلينا ، فمن سيطعمنا ويرزقنا ؟ يخاطبهم القرآن أن لا تحزنوا على الرزق ولا تحملوا ثقل الذلة والأسر ، فالرازق هو الله ، لا لكم فحسب بل وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم . قليل من الدواب والحيوانات والحشرات - وكذلك الإنسان - يأتي برزقه من الصحراء والشجر إلى وكره ومسكنه كالنحل - التي تنتج العسل - والنمل ، وغالبا ما تكون الحيوانات بمثابة " طائر اليوم " أي كل يوم عليها أن تمضي لرزقها وتبحث عنه من جديد . وهكذا فإن ملايين الملايين من الحيوانات التي من حولنا ، في النقاط القريبة والبعيدة ، وفي الصحاري وأعماق البحار وأعالي
--> 1 - تحدثنا عن حقيقة التوكل وحكمته وفلسفته بإسهاب في ذيل الآية ( 12 ) سورة إبراهيم ، وعن حقيقة الصبر لدى تفسير الآية ( 12 ) من سورة إبراهيم والآية ( 24 ) من سورة الرعد والآية ( 26 ) من سورة الأعراف .