الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
366
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ويستفاد من هذا التعبير أن جماعة كانوا يميلون إلى حرق إبراهيم بالنار ، في حين كانت جماعة أخرى تقترح أن يقتل بالسيف أو ما شاكله ! وأخيرا رجح الرأي الأول ، لأنهم كانوا يعتقدون أن أشد حالات الإعدام هو الاحراق بالنار . كما ويحتمل أيضا أنهم جميعا كانوا يفكرون في قتله بالوسائل الطبيعية ، غير أنهم اتفقوا أخيرا على إحراقه بالنار ، وأن يبذلوا قصارى جهدهم في هذا الأمر . وفي هذه الآية الكريمة لم يرد كلام عن كيفية إحراق إبراهيم ( عليه السلام ) بالنار سوى هذا المقدار الذي استكملت به الآية الكريمة ، وهو فأنجاه الله من النار . غير أن تفصيل ما جرى عليه من الإحراق ورد في سورة الأنبياء ( الآيات 68 - 70 ) وقد بينا ذلك هناك ، فلا بأس بمراجعته ! ويضيف القرآن في الختام إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون . ولم تكن علامة وآية واحدة في هذا الصدد وفي هذه الحادثة ، بل علائم وآيات . . . فمن جانب فإن عدم تأثير النار في جسد إبراهيم بنفسه معجزة واضحة ، وتبدل النار إلى روضة و " سلام " على إبراهيم كما هو معروف معجزة أخرى ، وعدم استطاعة هذه الجماعة القوية التغلب على شخص واحد - وهو أعزل من كل وسيلة بحسب الظاهر - كان معجزة ثالثة أيضا . كما أن عدم تأثير هذا الحادث العجيب الخارق للعادة في أولئك المظلمة قلوبهم ، آية من آيات الله ، إذ يسلب التوفيق من أمثال هؤلاء الأفراد المعاندين الألداء ، بحيث لا تؤثر فيهم أعظم الآيات ! . وقد ورد في بعض الروايات أنه لما القي بإبراهيم الخليل مكتوف اليدين والرجلين في النار ، فإن الشئ الوحيد الذي احترق منه هو الحبل الذي كان مشدودا وموثقا به ( 1 ) .
--> 1 - تفسير روح المعاني ، ج 20 ، ص 130 .