الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

353

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الكلام هنا - وفي ما بعد - يقع على الامتحانات الشديدة للأنبياء ، وكيف أنهم كانوا تحت ضغط الأعداء وإيذائهم ، وكيف صبروا وكانت عاقبة صبرهم النصر ! ليكون هذا الكلام تسلية لقلوب أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذين كانوا تحت وطأة التعذيب الشديد من قبل الأعداء - من جانب - وتهديدا للأعداء لينتظروا عاقبتهم الوخيمة من جانب آخر . تبدأ الآيات أولا بالكلام على أول نبي من أولي العزم وهو " نوح " ( عليه السلام ) ، وتتحدث عنه بعبارات موجزة ، لتجمل قسما من حياته التي تناسب - كثيرا - الواقع الراهن للمسلمين - آنئذ - فتقول : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . كان نوح مشغولا ليل نهار بالتبليغ ودعوة قومه إلى توحيد الله - فرادى ومجتمعين ، مستفيدا من جميع الفرص في هذه المدة الطويلة ( أي تسعمائة وخمسين عاما ) يدعوهم إلى الله . . ولم يشعر بالتعب والنصب من هذا السعي المتتابع ولم يظهر عليه الضعف والفتور . ومع كل هذا الجهد الجهيد لم يؤمن به إلا جماعة قليلة في حدود الثمانين شخصا كما تنقل التواريخ ( أي بمعدل نفر واحد لكل اثنتي عشرة سنة ! ) . فعلى هذا لا تظهروا الضعف والتعب في سبيل الدعوة إلى الحق ومواجهة الانحرافات ، لأن منهجكم أمام منهج " نوح " سهل للغاية . لكن لاحظوا كيف كانت عاقبة قوم نوح الظالمين الألداء : فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . وهكذا انطوى " طومار " حياتهم الذليلة ، وغرقت قصورهم وأجسادهم وآثارهم في الطوفان وأمواجه . والتعبير ب‍ ألف سنة إلا خمسين عاما مع إمكان القول " تسعمائة وخمسين سنة " من البداية ، هو إشارة إلى عظمة المدة وطول الزمان ، لأن عدد " الألف " وأي