الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
298
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هنا أصبح الناس طائفتين - بحسب العادة فطائفة وهم الأكثرية - من عبدة الدنيا - أثارهم هذا المشهد ، فاهتزت قلوبهم وتأوهوا بالحسرات وتمنوا لو كانوا مكان قارون ولو يوما واحدا ولو ساعة واحدة وحتى ولو لحظة ! واحدة . . . فأية حياة عذبة جميلة هذه الحياة التي تهب اللذات والنشاط . . . قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم . هنيئا لقارون ولثروته العظيمة ! . . وما أعظم جلاله وعزته . . ولا نظن في التاريخ أحدا أعطاه الله ما أعطى قارون . . وما إلى ذلك من الكلمات . وهنا جاء دور الامتحان الإلهي العظيم فمن جانب نجد قارون عليه أن يؤدي امتحانه في غروره وطيشه ! ومن جانب آخر من بهرهم مشهده الذين أحاطوا به - من بني إسرائيل - . وبالطبع فإن العقاب الأليم هو العقاب الذي سيقع بعد هذا العرض المثير ، وهو أن يهوي قارون من أوج العظمة إلى قعر الأرض إذ تنخسف به الأرض على حين غرة ! . لكن أمام هذه الطائفة التي ذكرناها آنفا طائفة أخرى من العلماء والمتقين الورعين ، سمت آفاقهم عن مثل هذه المسائل ، وكانوا حاضرين حينئذ و " المشهد " يمر من أمامهم . هؤلاء الرجال لا يقومون الشخصية بالذهب والقوة ، ولا يبحثون عن القيم في الأمور المادية . لا تبهرهم هذه المظاهر ، بل يسخرون منها ويتبسمون تبسم استهزاء وازدراء ! ويحقرون هذه الرؤوس الفارغة . فهؤلاء كانوا هناك ، وكان لهم موقف آخر من قارون ، وكما يعبر عنهم القرآن وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ثم أردفوا مؤكدين ولا يلقاها إلا الصابرون . أولئك الذين لا تهزهم زخارف الدنيا وزبارجها ، ويقفون في استقامة -