الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
290
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم يقدمون له أربع نصائح قيمة أخرى ذات تأثير مهم على مصير الإنسان ، بحيث تتكامل لديه حلقة خماسية من النصائح مع ما تقدم من قولهم له : لا تفرح فالنصيحة الأولى قولهم له : وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة وهذا إشارة إلى أن المال والثروة ليس أمرا سيئا كما يتصوره بعض المتوهمين ، المهم أن تعرف فيم يستعمل المال ، وفي أي طريق ينفق ، فإذا ابتغي به الدار الآخرة فما أحسنه ! أو كان وسيلة للعب والهوى والظلم والتجاوز ، فلا شئ أسوأ منه ! وهذا هو المنطق الذي ورد على لسان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كلام معروف " من أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها أعمته " ( 1 ) . وكان قارون رجلا ذا قدرة على الأعمال الاجتماعية الكبيرة بسبب أمواله الطائلة ، ولكن ما الفائدة منها وقد أعماه غروره عن النظر إلى الحقائق . والنصيحة الثانية قولهم له : ولا تنس نصيبك من الدنيا والآية تشير إلى مسألة واقعية ، وهي أن لكل فرد منا نصيبا من الدنيا ، فالأموال التي يصرفها على بدنه وثيابه ليظهر بمظهر لائق هي أموال محدودة ، وما زاد عليها لا تزيد مظهره شيئا ، وعلى الإنسان أن لا ينسى هذه الحقيقة ! . . . فالإنسان . . . كم يستطيع أن يأكل من الطعام ؟ ولم يستطيع أن يلبس من الثياب ؟ وكم يمكن أن يحوز من المساكن والمراكب ؟ ! وإذا مات وكم يستطيع أن يأخذ معه من الأكفان ؟ ! فالباقي - إذن - رضي أم أبى هو من نصيب الآخرين . وما أجمل قول الإمام علي ( عليه السلام ) : " يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك " ( 2 ) . وهناك تفسير آخر لهذه الجملة في الروايات الإسلامية وكلمات المفسرين ،
--> 1 - نهج البلاغة ، خطبة 82 . 2 - نهج البلاغة ، الكلمات القصار جملة 192 .