الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
286
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لذلك تأتي الآية التي بعدها فتقول : ونزعنا من كل أمة شهيدا ( 1 ) فقلنا هاتوا برهانكم أيها المشركون الضالون . وحين تنكشف المسائل وتتجلى الأمور لا تبقى خافية فعلموا أن الحق الله وضل عنهم ما كانوا يفترون . هؤلاء الشهود هم الأنبياء بقرينة الآيات الأخرى في القرآن ، إذ أن كل نبي شاهد على أمته ، ونبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) الذي هو خاتم الأنبياء هو شهيد على جميع الأنبياء والأمم ، كما نقرأ ذلك في الآية ( 41 ) من سورة النساء فكيف إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا . فعلى هذا ، ينعقد يوم القيامة مجلس كبير بحضور الأنبياء ، ويؤتى بالمشركين المعاندين عمي القلوب ، وهناك يعرفون الفاجعة العظمى للشرك ، وحقانية الله ، وضلال الأصنام . . . بجلاء . ومن الطريف أن القرآن يعبر ب ضل عنهم ما كانوا يفترون أي إن تصوراتهم واعتقاداتهم في الأصنام تمحى عنهم يوم القيامة ، لأن عرصة القيامة عرصة الحق ، ولا مكان للباطل هناك ، فالباطل يضل هناك ويمحى من الوجود ! . فإذا كان الباطل يغطي وجهه هنا ( في هذا العالم ) بستار من الحق ليخدع الناس أياما ، فهناك تنكشف الحجب ولا يبقى سوى الحق . نقرأ في رواية عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) في تفسير ونزعنا من كل أمة شهيدا قوله : " ومن هذه الأمة إمامها " ( 2 ) . وهذا الكلام إشارة إلى أنه لابد في كل عصر وزمان من شاهد معصوم للأمة ، والحديث آنف الذكر من قبيل بيان مصداق هذا المفهوم القرآني . * * *
--> 1 - التعبير ب " نزعنا " التي تعني جذب الشئ من مقره ، هي إشارة إلى إحضار الشهود من بين كل جماعة وأمة . . . 2 - تفسير الميزان ، ج 16 ، ص 20 .