الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

263

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فنقول جوابا على ذلك : أولا : مع جميع هذه الأمور ما تزال مكة أكثر أمنا من النقاط الأخرى . . وكان العرب يحترمونها ويقدسونها ، وبالرغم من أنهم كانوا يقدمون على جرائم متعددة في أماكن أخرى ، إلا أنهم كانوا يحجمون عن الإتيان بمثلها في مكة . والخلاصة : فمع عدم الأمن العام والكلي كانت مكة تتمتع بالأمن النسبي ولا سيما أن الأعراب خارجها كانوا يراعون أمنها وقداستها . ثانيا : صحيح أن هذه الأرض التي جعلها الله حرما آمنا أضحت لفترة وجيزة غير آمنة على أيدي جماعة . . . إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مركز كبير للأمن وتواتر النعم الكثيرة المتعددة ، فعلى هذا لم يكن تحمل هذه الصعاب المؤقتة من أجل الوصول للنعم العظيمة ، أمرا عسيرا ومعقدا . وعلى كل حال ، فإن كثيرا ممن يقلقون على منافعهم الشخصية ، كالحارث بن نوفل ، لا يسلكون سبيل الهداية والإيمان . . . في حين أن الإيمان بالله والتسليم لأمره ، لا يؤمن المنافع المعنوية لهم فحسب ، بل يؤمن لهم المحيط الصحيح والمنافع المادية المشروعة وما إلى ذلك . وعدم الأمن والغارات والحروب التي نجدها في عصر التمدن - كما يصطلح عليه - وفي الدنيا البعيدة عن الإيمان والهداية ، كل هذه الأمور شاهد حي على هذا المدعى ! . ومن الضروري الالتفات إلى هذه النقطة الأساسية ، وهي أن الله سبحانه أول ما يذكر من نعمه نعمة الأمن ، ثم يذكر جلب الثمرات والأرزاق وغير ذلك من جميع الأنحاء إلى مكة ، ويمكن أن يكون هذا التعبير مبينا هذا الواقع ، وهو : طالما كان الأمن حاكما في بلد كان اقتصاده جيدا ، وإلا فلا ، " قد بينا هذا الأمر في بحثنا للآية 35 سورة إبراهيم " . كما أن الجدير بالذكر أن " يجبى " جاءت على صيغة الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرار في الحال والاستقبال ، ونحن اليوم وبعد مرور أربعة عشر