الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
211
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عجيبة ! خطوة نحو الله ملء دلو من أجل إنصاف المظلومين ، فتح لموسى فصلا جديدا ، وهيأ له من عالم عجيب من البركات المادية والمعنوية . . ووجد ضالته التي ينبغي أن يبحث عنها سنين طوالا . وبداية هذا الفصل عندما جاءته إحدى البنتين تخطو بخطوات ملؤها الحياء والعفة ويظهر منها أنها تستحي من الكلام مع شاب غريب : رجوعهما إليه بهذه السرعة على غير ما اعتادتا عليه ، فقصتا عليه الخبر ، فأرسل خلفه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء فلم تزد على أن قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فلمع في قلبه إشراق من الأمل ، وكأنه أحس بأن واقعة مهمة تنتظره وسيواجه رجلا كبيرا ! . . رجلا عارفا بالحق وغير مستعد أن يترك أي عمل حتى لو كان ملء الدلو أن يجزيه عليه ، هذا الرجل ينبغي أن يكون انسانا نموذجيا ورجلا سماويا وإلهيا . . رباه . . ما أروعها من فرصة . أجل ، لم يكن ذلك الشخص الكبير سوى " شعيب " النبي الذي كان يدعو الناس لسنين طوال نحو الله ، كان مثلا لمن يعرف الحق ويطلب الحق ، واليوم إذ تعود بنتاه بسرعة يبحث عن السبب ، وحين يعرف الأمر يقرر أن يؤدي ما عليه من الحق لهذا الشاب كائنا من كان . تحرك موسى ( عليه السلام ) ووصل منزل شعيب ، وطبقا لبعض الروايات ، فإن البنت كانت تسير أمام موسى لتدله على الطريق ، إلا أن الهواء كان يحرك ثيابها وربما انكشف ثوبها عنها ، ولكن موسى لما عنده من عفة وحياء طلب منها أن تمشي خلفه وأن يسير أمامها ، فإذا ما وصلا إلى مفترق طرق تدله وتخبره من أي طريق يمضي إلى دار أبيها شعيب : ( 1 ) دخل موسى ( عليه السلام ) منزل شعيب ( عليه السلام ) ، المنزل الذي يسطع منه نور النبوة . . وتشع
--> 1 - انظر : أبو الفتوح الرازي - ذيل الآيات .