الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
195
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نجزي المحسنين . كلمة " أشد " مشتقة من مادة " الشدة " وهي القوة . وكلمة " استوى " مشتقة من " الاستواء " ومعناها كمال الخلقة واعتدالها . وهناك كلام بين المفسرين في الفرق بين المعنيين : فقال بعض المفسرين : المقصود من بلوغ الأشد هو أن يصل الإنسان الكمال من حيث القوى الجسمانية ، وغالبا ما يكون في السنة الثامنة عشرة من العمر . . أما الاستواء فهو الاستقرار والاعتدال في أمر الحياة ، وغالبا ما يحصل ذلك بعد الكمال الجسماني . وقال بعضهم : إن المقصود من بلوغ الأشد هو الكمال الجسماني ، وأما الاستواء فهو الكمال العقلي والفكري . ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في كتاب معاني الأخبار قال : فلما بلغ أشده واستوى قال : " أشده ثمان عشر سنة واستوى ، التحى " ( 1 ) . وليس بين هذه التعابير فرق كبير ، ومن مجموعها - مع ملاحظة المعنى اللغوي للكلمتين " الأشد والاستواء " - يستفاد منهما أنهما يدلان على التكامل في القوى الجسمية والعقلية والروحية . ولعل الفرق بين " الحكم " و " العلم " هو أن الحكم يراد منه العقل والفهم والقدرة على القضاء الصحيح ، والعلم يراد به العرفان الذي لا يصحبه الجهل . أما التعبير كذلك نجزي المحسنين فيدل بصورة جلية على أن موسى ( عليه السلام ) كان جديرا بهذه المنزلة ، نظرا لتقواه وطهارته وأعماله الصالحة ، إذ جازاه الله " بالعلم والحكم " وواضح أن المراد بالحكم والعلم هنا ليس النبوة والوحي وما إليهما . . لأن موسى ( عليه السلام ) يومئذ لم يبعث بعد ، وبقي مدة بعد ذلك حتى بعث نبيا . بل المقصود والمراد من الحكم والعلم هما المعرفة والنظرة الثاقبة والقدرة
--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 4 ، ص 117 .