الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
185
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في هذا الصدد : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا . كلمة " التقط " مأخوذة من مادة " التقاط " ومعناها في الأصل الوصول إلى الشئ دون جهد وسعي ، وإنما سميت الأشياء التي يعثر عليها " لقطة " للسبب نفسه أيضا . . وبديهي أن الفراعنة لم يجلبوا الصندوق الذي فيه الطفل الرضيع من الماء ليربوه في أحظانهم فيكون لهم عدوا لدودا ، بل أرادوه - كما قالت امرأة فرعون - قرة عين لهم . ولكن النتيجة والعاقبة . . كان ما كان وحدث ما حدث . . وكما يقول علماء الأدب : إن اللام في الآية هنا فالتقطه آل فرعون ليكون . . هي " لا العاقبة " ليست " لام العلة " ولطافة التعبير كامنة في أن الله سبحانه يريد أن يبين قدرته ، وكيف أن هذه الجماعة " الفراعنة " عبأت جميع قواها لقتل بني إسرائيل ، وإذا الذي أرادوا قتله - وكانت كل هذه المقدمات من أجله - يتربى في أحضانهم كأعز أبنائهم . والتعبير - ضمنا - بآل فرعون يدل على أن الملتقط لم يكن واحدا ، بل اشترك في التقاط الصندوق جماعة من آل فرعون ، وهذا بنفسه شاهد على أنهم كانوا ينتظرون مثل هذا الحدث ! . ثم تختتم الآية بالقول : إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين . كانوا خاطئين في كل شئ ، وأي خطأ أعظم من أن يحيدوا عن طريق العدل والحق ، وأن يبنوا قواعد حكمهم على الظلم والجور والشرك ! . وأي خطأ أعظم أن يذبحوا آلاف الأطفال ليقتلوا موسى ( عليه السلام ) ، ولكن الله سبحانه أودعه في أيديهم وقال لهم : خذوا عدوكم هذا وربوه ليكبر عندكم ؟ ! ( 1 )
--> 1 - يقول الراغب في مفرداته : إن الفرق بين " الخاطئ " " والمخطئ " هو أن الخاطئ هو من يقدم على عمل لا يخرج من عهدته ويطوي طريق الخطأ بنفسه . . أما المخطي فيقال في من يقدم على عمل ويخرج من عهدته ، إلا أنه يخطئ في الأثناء صدفة ، فيتلف العمل .