الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

182

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

جاءت زائرة فحسب ، فخرجوا آيسين . ثم عادت أم موسى إلى رشدها وصوابها وسألت " أخت موسى " عن أخيها فأظهرت عدم معرفتها بمكانه ، وإذا البكاء يعلو من داخل التنور ، فركضت إلى التنور فرأت موسى مسالما وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما " الله الذي نجي إبراهيم الخليل من نار النمرود " فأخرجت وليدها سالما من التنور . لكن الأم لم تهدأ إذ أن الجواسيس يمضون هنا وهناك ويفتشون البيوت يمنة ويسرة ، وكان الخطر سيقع لو سمعوا صوت هذا الطفل الرضيع . وفي هذه الحال اهتدت أم موسى بإلهام جديد ، إلهام ظاهره أنه مدعاة للخطر ، ولكن مع ذلك أحست بالاطمئنان أيضا . كان ذلك من الله ولابد أن يتحقق ، فلبست ثياب عملها وصممت على أن تلقي وليدها في النيل . فجاءت إلى نجار مصري " وكان النجار من الأقباط والفراعنة أيضا " فطلبت منه أن يصنع صندوقا صغيرا . فسألها النجار قائلا : ما تصنعين بهذا الصندوق مع هذه الأوصاف ؟ ولكن الام لما كانت غير متعودة على الكذب لم تستطع دون أن تقول الحق والواقع ، وأنها من بني إسرائيل ولديها طفل تريد إخفاءه في الصندوق . فلما سمع النجار القبطي هذا الخبر صمم على أن يخبر الجلاوزة والجلادين ، فمضى نحوهم لكن الرعب سيطر على قلبه فارتج على لسانه وكلما حاول أن يفهمهم ولو كلمة واحدة لم يستطع ، فأخذ يشير إليهم إشارات مبهمة ، فظن أولئك أنه يستهزئ بهم فضربوه وطردوه ، ولما عاد إلى محله عاد عليه وضعه الطبيعي ، فرجع ثانية إليهم ليخبرهم فعادت عليه الحالة الأولى من الإرتجاج والعي ، وأخيرا فقد فهم أن هذا أمر إلهي وسر خفي ، فصنع الصندوق وأعطاه لأم موسى . ولعل الوقت كان فجرا والناس - بعد - نيام ، وفي هذه الحال خرجت أم