الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

149

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والتربية تقتضي أحيانا أن يتكرر الموضوع في " فواصل " مختلفة ، وأن يذكر الناس به ليبقى في الذهن كما يقال . فالسكن أو الهدوء الذي يحصل من ظلمة الليل ، مسألة علمية وحقيقة مسلم بها ، فسدل الليل ليست أسبابا إجبارية لتعطيل النشاطات اليومية فحسب ، بل لها أثر عميق على سلسلة الأعصاب في الإنسان وسائر الحيوانات ، ويجرها إلى الراحة والنوم العميق ، أو كما يعبر القرآن عنه بالسكون ! . وكذلك العلاقة بين ضوء النهار والسعي والحركة التي هي من خصائص النور من الناحية العلمية - أيضا - ولا مجال للتردد فيها . فنور الشمس لا يضئ محيط الحياة ليبصر الإنسان به مأربه فحسب ، بل يوقظ جميع ذرات وجود الإنسان ويوجهه إلى الحركة والنشاط ! . فهذه الآية توضح جانبا من التوحيد الربوبي ، ولما كان المعبود الواقعي هو رب " عالم الوجود " ومدبره ، فهي تشطب بالبطلان على وجوه الأوثان ! . . . وتدعو المشركين إلى إعادة النظر في عبادتهم . وينبغي الالتفات إلى هذه اللطيفة ، وهي أن على الإنسان أن يجعل نفسه منسجما مع هذا النظام ، فيستريح في الليل ويسعى في النهار ، ليبقى نشطا صحيحا دائما . . . لا كالمنقاد لهواه الذي يطوي الليل يقظا ساهرا وينام النهار حتى الظهر ! . والطريف أن كلمة " مبصر " نسبت إلى النهار ووصف بها ، مع أنها وصف للإنسان في النهار ، وهذا نوع من التأكيد الجميل للاهتمام بالنشاط في النهار ، كما يوصف الليل أحيانا بأنه " ليل نائم " ( 1 ) .

--> 1 - هذا النوع من التعبير يسمى عند البلاغيين ب‍ " المجاز العقلي " ، ويراد منه إسناد الفعل أو ما في معناه " كاسم الفاعل واسم المفعول " لغير ما وضع له لعلاقة ، منها العلاقة الزمانية ، فيقال مثلا : نهار الزاهد صائم وليله قائم . ( المصحح )