الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
13
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . فأية خسارة أعظم من أن يرى الإنسان عمله القبيح حسنا ! ! وأن يهدر جميع طاقاته من أجله ، ظنا منه بأنه عمل " إيجابي " مثبت ، إلا أنه يراه في عاقبة أمره شقاء وذلة وعذابا . وأما الآية الأخيرة - من الآيات محل البحث - فهي بمثابة إكمال البيانات السابقة في صدد عظمة محتوى القرآن ، ومقدمة لقصص الأنبياء التي تبدأ بعدها مباشرة فتقول : وإنك لتلقى ( 1 ) القرآن من لدن حكيم عليم . وبالرغم من أن الحكيم والعليم كلاهما إشارة إلى علم الله سبحانه ، إلا أن الحكمة تبين الجوانب العملية ، والعلم يبين الجوانب النظرية . . . وبتعبير آخر : إن العليم يخبر عن علم الله الواسع ، والحكيم يدل على الهدف من إيجاد هذا العالم وإنزال القرآن على قلب النبي ( محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ) . ومثل هذا القرآن النازل من قبل الله ينبغي أن يكن مبينا . . . وهدى وبشرى للمؤمنين ، وأن تكون قصصه خالية من أي نوع من أنواع الخرافات والتضليل والأباطيل والتحريف . 3 الواقعية والإيمان : المسألة المهمة في حياة الإنسان هي أن يدرك الواقعيات بما هي عليه ، وأن يكون موقفه منها صريحا . . . فلا تمنعه من فهمها وإدراكها تصوراته وأحكامه المسبقة ورغباته الانحرافية وحبه وبغضه ، ولذلك فأن أهم تعريف للفلسفة هو : إدراك الحقائق كما هي ! .
--> 1 - " تلقى " فعل مضارع مبني للمفعول ، وهو من باب التفعيل ، والفعل الثلاثي المجرد من هذه المادة ( لقي ) وهو يتعدى إلى مفعول واحد . أما المزيد فيتعدى إلى مفعولين . وفي الآية محل البحث ( الله ) هو الفاعل وملقي القرآن ، والنبي ( مفعول به أول ) ، والقرآن مفعول ثان ، وحيث أن الفعل بني للمجهول يقوم المفعول الأول مقام الفاعل فرفع ، وأما المفعول الثاني فعلى حالة .