الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
117
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الآيتين ( 26 ) و ( 27 ) من سورة الجن عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . وبتعبير آخر فإن علم الغيب بالذات ، وبصورته المستقلة والمطلقة غير المحدودة ، خاص بالله سبحانه ، وكل علوم الآخرين مسترفدة من علمه تعالى . ولكن مسألة تاريخ وقوع القيامة مستثناة من هذا الأمر أيضا ، ولا يعلم بها أحد " إلا الله " ( 1 ) . ثم يتكلم القرآن عن عدم علم المشركين بيوم القيامة وشكهم وجهلهم ، فيقول : بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون . " ادارك " في الأصل " تدارك " ومعناه التتابع أو لحوق الآخر بالأول ، فمفهوم جملة : بل ادارك علمهم في الآخرة أنهم لم يصلوا إلى شئ بالرغم مما بذلوه من تفكير ، وجمعوا المعلومات في هذا الشأن ، لذلك فإن القرآن يضيف مباشرة بعد هذه الجملة بل هم في شك منها بل هم منها عمون . لأن دلائل الآخرة ظاهرة في هذه الدنيا ، فعودة الأرض الميتة إلى الحياة في فصل الربيع ، وإزهار الأشجار وإثمارها مع أنها كانت في فصل الشتاء جرداء ! . . . ومشاهدة عظمة قدرة الخالق في مجموعة الخلق والوجود ، كلها دلائل على إمكان الحياة بعد الموت ، إلا أنهم كالعمي الذين لا يبصرون كل شئ ! وبالطبع فإن هناك تفاسير أخر للجملة أعلاه ، منها أن المراد من ادارك علمهم في الآخرة أن أسباب التوصل للعلم في شأن الآخرة متوافرة ومتتابعة ، إلا أنهم عمي عنها . وقال بعضهم : إن المراد منها أنهم عندما تكشف الحجب في يوم الآخرة ، فإنهم سيعرفون حقائق الآخرة بشكل كاف .
--> 1 - كان لنا بحوث مفصلة في علم الغيب في الأجزاء السابقة في هذا التفسير .