الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

11

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بلطفه ، فلولا لطفه لما كان ذلك ممكنا لنا . . . وبعد هذا كله ، فالإفادة من آيات القرآن والكتاب المبين هي نصيب أولئك الذين فيهم القابلية على معرفة الحق وطلب الحق . وإن لم يبلغوا مرحلة الهداية الكاملة . . . وإذا ما وجدنا التعبير في بعض آيات القرآن بأنه هدى للمتقين " كما في الآية 2 من سورة البقرة " وفي مكان آخر للمسلمين " كما في الآية 102 من سوره النحل " وهنا هدى وبشرى للمؤمنين فإن ذلك ناشئ من أنه إذا لم يكن في قلب الإنسان أدنى مرحلة من التقوى والتسليم والإيمان بالواقع ، فإنه لا يتجه نحو الحق ، ولا يبحث عنه ، ولا يفيد من نور هذا الكتاب المبين . . . لأن قابلية المحل شرط أيضا . ثم بعد ذلك فإن الهدى والبشرى مقترنين معا . . وهما للمؤمنين فحسب ، وليس للآخرين مثل هذه المزية . . . ومن هنا يتضح مجئ التعبير بالهداية بشكل واسع لعموم الناس هدى للناس فإن المراد منه أولئك الذين تتوفر فيهم الأرضية المناسبة لقبول الحق ، وإلا فأن المعاندين الألداء . عماة القلوب ، لو أشرقت عليهم آلاف الشموس بدل شمسنا هذه ليهتدوا ، لما اهتدوا أبدا . وتتحدث الآية التالية عن الاشخاص في المقابلة للمؤمنين ، وتصف واحدة من أخطر حالاتهم فتقول : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون . أي حيارى في حياتهم . فهم يرون الملوث نقيا ، والقبيح حسنا ، والعيب فخرا ، والشقاء سعادة وانتصارا ! . أجل ، هذا حال من يسلك الطريق المنحرف ويتوغل فيها . . . فواضح أن الإنسان حين يقوم بعمل قبيح . فإن قبحه يخف تدريجا ، ويعتاد عليه ، وعندما يتطبع عليه يوجهه ويبرره ، حتى يبدو له حسنا ويعده من وظائفه ! وما أكثر الذين تلوثت أيديهم بالأعمال الإجرامية . . . وهم يفتخرون بتلك الأعمال ويعدونها