السيد الطباطبائي

91

تفسير الميزان

وينسون ما اتخذوه من الأولياء والأنداد ، وأما تلك الأمم فلم تلن الشدائد قلوبهم ، ولم تصلح ما أفسد الشيطان من فطرتهم ، انتهى . ولازم ما ذكره أن لا يكون التوحيد فطريا يظهر عند ارتفاع الأوهام الشاغلة والانقطاع عن الأسباب الظاهرة أو أن يمكن إبطال حكم الفطرة من أصله ، وقد قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) ( الروم : 30 ) فأفاد أن دين التوحيد فطرى ، وأن الفطرة لا تقبل التغيير بمغير وأيد ذلك بآيات أخر ناصة على أن الانسان عند انقطاعه عن الأسباب يتوجه إلى ربه بالدعاء مخلصا له الدين لا محالة . على أن الاقرار بالإله الواحد عند الشدة والانقطاع مما نجده من أنفسنا وجدانا ضروريا ولا يختلف في ذلك الانسان الأولى وإنسان اليوم البتة . قوله تعالى : ( فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ) الخ ، ( لولا ) للتحضيض أو للنفي ، وعلى أي حال تفيد في المقام فائدة النفي بدليل قوله : ( ولكن قست قلوبهم ) وقسوة القلب مقابل لينه ، وهو كون الانسان لا يتأثر عن مشاهدة ما يؤثر فيه عادة أو عن استماع كلام شأنه التأثير . والمعنى : فلم يتضرعوا حين مجئ البأس ولم يرجعوا إلى ربهم بالتذلل بل أبت نفوسهم أن تتأثر عنه ، وتلهوا بأعمالهم الشيطانية الصارفة لهم عن ذكر الله سبحانه وأخلدوا إلى الأسباب الظاهرة التي كانوا يرون استقلالها في إصلاح شأنهم . قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) الخ ، المراد بفتح أبواب كل شئ إيتاؤهم من كل نعمة من النعم الدنيوية التي يتنافس فيها الناس لتمتع من مزايا الحياة من المال والبنين وصحة الأبدان والرفاهية والخصب والامن والطول والقوة ، كل ذلك توفيرا من غير تقتير ومنع كما أن خزانه المال إذا أعطى منها أحد بقدر وميزان فتح بابها فأعطى ما أريد ثم سد ، وأما إذا أريد الاعطاء من غير تقدير فتح بابها ولم يسد على وجه قاصده بالجملة كناية عن إيتائهم أنواع النعم من غير تقدير على ما يساعده المقام .