السيد الطباطبائي
88
تفسير الميزان
إليه الخلق على حسب أعمالهم ، فلمثل هذه الأدعية صورة الدعاء فقط دون حقيقة معناها ، وأما لو تحقق الدعاء بحقيقته بأن يدعى حقيقة ويتعلق ذلك الدعاء بالله حقيقة كما هو ظاهر قوله : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) الآية ، فإن ذلك لا يرد البتة والدعاء على هذا النعت لا يدع الكافر كافرا ولو حين الدعاء كما قال تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) ( العنكبوت : 65 ) . فما في قوله : ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) دعاء منهم وهم على الكفر فإن الثابت من ملكة الكفر لا يفارقهم في دار الجزاء وإن كان من الجائز أن يفارقهم في دار العمل بالتوبة والايمان . فدعاؤهم لكشف العذاب عنهم يوم القيامة أو في جهنم ككذبهم على الله يوم القيامة بقولهم - كما حكى الله - والله ربنا ما كنا مشركين ، ولا ينفع اليوم كذب غير أنهم اعتادوا ذلك في الدنيا ورسخت رذيلتهم في نفوسهم فبرزت عنهم آثاره يوم تبلى السرائر ، ونظير أكلهم وشربهم وخصامهم في النار ، ولا غنى لهم في شئ من ذلك ، كما قال تعالى : ( تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع ) ( الغاشية : 7 ) ، وقال تعالى : ( ثم أنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم ) ( الواقعة : 55 ) ، وقال تعالى : ( إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) ( ص : 64 ) ، فهذا كله من قبيل ظهور الملكات فيهم . وما قبل الآية يؤيد ما ذكرناه من أن دعاءهم ليس على حقيقته وهو قوله تعالى : ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ، قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ( المؤمن : 50 ) ، فان مسألتهم خزنة النار أن يدعوا الله لهم في تخفيف العذاب ظاهر في أنهم آيسون من استجابة دعائهم أنفسهم ، والدعاء مع اليأس عن الاستجابة ليس دعاء ومسألة حقيقية إذ لا يتعلق الطلب بما لا يكون البتة . وثالثا : أن النسيان في قوله : ( وتنسون ما تشركون ) حقيقة معناه على ما هو )