السيد الطباطبائي

65

تفسير الميزان

بها أي القرآن فلا تلائمه سياق الآية وخاصة قوله ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) فإنه ظاهر في الاضطرار . ومن هنا يظهر أن المراد بالمشية أن يشاء الله منهم الاهتداء إلى الايمان فيضطروا إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من الآية الشريفة . لكنه سبحانه فيما يشابه الآية من كلامه لم يبن عدم مشيته ذلك على لزوم الاضطرار كقوله تعالى : ( ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ، ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) ( السجدة : 13 ) يشير تعالى بذلك إلى نحو قوله : ( قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) ( ص : 85 ) فبين تعالى أن عدم تحقق مشيته لهداهم جميعا إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ما أقسم عليه إبليس أنه سيغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين . وقد أسند القضاء في موضع آخر إلى غوايتهم قال تعالى في قصة آدم وإبليس : ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ، وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) ( الحجر : 43 ) وقد نسب ذلك إليهم إبليس أيضا فيما حكى الله سبحانه من كلامه لهم يوم القيامة : ( وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم - إلى أن قال - إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ( إبراهيم : 22 ) . فالآيات تبين أن المعاصي ومنها الشرك تنتهى إلى غواية الانسان والغواية تنتهى إلى نفس الانسان ، ولا ينافي ذلك ما يظهر من آيات أخر أن الانسان ليس له أن يشاء إلا أن يشاء الله منه المشية كقوله تعالى : ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) ( الانسان : 30 ) ، وقال تعالى : ( إن هو إلا ذكر للعالمين ، لمن شاء منكم أن يستقيم ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) ( التكوير : 29 ) . فمشية الانسان في تحققها وإن توقفت على مشية الله سبحانه إلا أن الله سبحانه لا يشاء منه المشية إلا إذا استعد لذلك بحسن سريرته ، وتعرض منه لرحمته ، قال تعالى :