السيد الطباطبائي

288

تفسير الميزان

مصالح مملكته حتى ينظمه نظما ربما يفسد من نفسه ولا يدوم بطبعه . قوله تعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ) إلى آخر الآية . المعنى واضح والمراد بتفصيل الآيات اما تفصيلها بحسب الجعل التكويني أو تفصيلها بحسب البيان اللفظي . ولا تنافى بين إرادة مصالح الانسان في حياته وعيشته في هذه النشأة مما يتراءى لظاهر الحس من حركات هذه الاجرام العظيمة العلوية والكرات المتجاذبة السماوية ، وبين كون كل من هذه الاجرام مرادا بإرادة إلهية مستقلة ومخلوقة بمشية تتعلق بنفسه وتخص شخصه فإن الجهات مختلفة ، وتحقق بعض هذه الجهات لا يدفع تحقق بعض آخر والارتباط والاتصال حاكم على جميع أجزاء العالم . قوله تعالى : ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ) إلى آخر الآية ، قرئ ( مستقر ) بفتح القاف وكسرها وهو على القراءة الأولى اسم مكان بمعنى محل الاستقرار فيكون ( مستودع ) أيضا اسم مكان بمعنى محل الاستيداع وهو المكان الذي توضع فيه الوديعة . وقد وقع ذكر المستقر والمستودع في قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) ( هود : 6 ) وفي الكلام حذف وإيجاز ، والتقدير : فمنكم من هو في مستقر ومنكم من هو في مستودع وعلى القراءة الثانية وهى الرجحي ( مستقر ) اسم فاعل ويكون المستودع اسم مفعول لا محالة ، والتقدير فمنكم مستقر ومنكم مستودع لم والظاهر أن بقوله وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ) انتهاء الذرية الانسانية على كثرتها انتشارها إلى آدم الذي يعده القرآن الكريم مبدأ للنسل الانساني الموجود ، وأن المراد بالمستقر هو البعض الذي تلبس بالولادة من أفراد الانسان فاستقر في الأرض التي هي المستقر لهذا النوع كما قال تعالى : ( ولكم في الأرض مستقر ) ( البقرة : 36 ) ، والمراد بالمستودع من استودع في الأصلاب والأرحام ولم يولد بعد وسيولد بعد حين ، فهذا هو المناسب لمقام بيان الآية بإنشاء جميع الافراد النوعية من فرد واحد ومن الممكن أن يؤخذ مستقر ومستودع مصدرين ميميين . وقد عبر بلفظ الانشاء دون الخلق ونحوه وهو ظاهر في الدفعة وما في حكمه دون