السيد الطباطبائي

260

تفسير الميزان

لاعتصامهم بعصمة إلهية وهم أهل العصمة من الأنبياء الكرام وأوصيائهم عليه السلام . فالآية خاصة بأهل العصمة وقصارى ما يمكن أن يتوسع به أن يلحق بهم الصالحون من المؤمنين ممن اعتصم بعصمة التقوى والصلاح ومحض الايمان عن الشرك والظلم ، وخرج بذلك عن ولاية الشيطان قال تعالى . إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) ( النحل : 99 ) إن صدق عليهم أن الله وكلهم بها واعتمد عليهم فيها . قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) إلى آخر الآية . عاد ثانيا إلى تعريفهم بما فيه تعريف الهدى الإلهي فالهدى الإلهي لا يتخلف عن شأنه وأثره وهو الايصال إلى المطلوب قال تعالى : ( فإن الله لا يهدى من يضل ) ( النحل : 37 ) . وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : ( فبهداهم اقتده ) بالاقتداء - وهو الاتباع - بهداهم لا بهم لان شريعته ناسخة لشرائعهم وكتابه مهيمن على كتبهم ، ولان هذا الهدى المذكور في الآيات لا واسطة فيه بينه تعالى وبين من يهديه ، وأما نسبة الهدى إليهم في قوله : ( فبهداهم ) فمجرد نسبة تشريفية ، والدليل عليه قوله : ( ذلك هدى الله ) الخ . وقد استدل بعضهم بالآية على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم إلا ما قام الدليل على نسخه ، وفيه : أن ذلك إنما يتم لو كان قيل : فبهم اقتده ، وأما قوله ( فبهداهم اقتده ) فهو بمعزل عن الدلالة على ذلك ، كما هو ظاهر . وختم سبحانه كلامه في وصف التوحيد الفطري والهداية الإلهية إليه بقوله خطابا لنبيه : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) كأنه قيل : اهتد بالهدى الإلهي الذي اهتدى به الأنبياء قبلك ، وذكر به العالمين من غير أن تسألهم أجرا على ذلك ، وقل لهم ذلك لتطيب به نفوسهم ، ويكون أنجح للدعوة وأبعد من التهمة ، وقد حكى الله سبحانه هذه الكلمة عن نوح ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام في دعواتهم . والذكرى أبلغ من الذكر كما ذكره الراغب ، وفي الآية دليل على عموم نبوته صلى الله عليه وآله وسلم لجميع العالمين .