السيد الطباطبائي

94

تفسير الميزان

معنى الذات وهو الموصوف . فهذه المفاهيم والعلوم والادراكات تقصر عن الانطباق عليه جل شأنه حق الانطباق ، وعن حكاية ما هو عليه حق الحكاية ، فتمس حاجة المخلص في وصفه ربه إلى أن يعترف بنقص لا علاج له ، وعجز لا جابر دونه ، فيعود فينفي ما أثبته ، ويتيه في حيرة لا مخلص منها ، وهو قوله عليه السلام : " وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنها غير الصفة . وهذا الذي فسرنا به هذا العقد من كلامه عليه السلام هو الذي يؤيده أول الخطبة حيث يقول : " الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود " على ما يظهر للمتأمل الفطن . وأما قوله عليه السلام : " فمن وصف الله فقد قرنه " ( إلخ ) ، فهو توصل منه إلى المطلوب - وهو أن الله سبحانه لا حد له ولا عد - من طريق تحليل إثبات الوصف كما كان البيان الأول توصلا منه من طريق تحليل المعرفة إلى نفى الوصف . فمن وصف الله فقد قرنه لما عرفت من المغايرة بين الموصوف والصفة ، والجمع بين المتغايرين قرن ، ومن قرنه فقد ثناه لاخذه إياه موصوفا وصفة وهما اثنان ، ومن ثناه فقد جزأه إلى جزأين ، ومن جزأه فقد جهله بالإشارة إليه إشارة عقلية ، ومن أشار إليه فقد حده لكون الإشارة مستلزمة لانفصال المشار إليه عن المشير حتى تتوسط بينهما الإشارة التي هي إيجاد بعد ما بين المشير والمشار إليه - يبتدئ من الأول وينتهى إلى الثاني - " ومن حده فقد عده " وجعله واحدا عدديا لان العدد لازم الانقسام والانعزال الوجودي تعالى الله عن ذلك . وفي النهج : من خطبة له عليه السلام : " الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كل مسمى بالوحدة غيره قليل ، وكل عزيز غيره ذليل ، وكل قوى غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ، وكل عالم غيره متعلم ، وكل قادر غيره يقدر ويعجز ، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنة ما بعد منها وكل بصير غيره يعمى عن خفى الألوان ولطيف الأجسام ، وكل ظاهر غيره باطن ، وكل باطن غيره ظاهر " .