السيد الطباطبائي
92
تفسير الميزان
باب الاعداد أما ترى أنه كفر من قال : إنه ثالث ثلاثة ؟ وقول القائل : هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه ، وجل ربنا وتعالى عن ذلك . وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا ، وقول القائل : إنه عز وجل إحدى المعنى يعنى به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربنا عز وجل . أقول : ورواه أيضا في المعاني بسند آخر عن أبي المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه عنه عليه السلام . وفي النهج : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الاخلاص له ، وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزاه ، ومن جزاه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ( الخطبة ) . أقول : وهو من أبدع البيان ، ومحصل الشطر الأول من الكلام ان معرفته تنتهى في استكمالها إلى نفى الصفات عنه ، ومحصل الشطر الثاني المتفرع على الشطر الأول - أعني قوله عليه السلام : فمن وصف الله فقد قرنه ( إلخ ) - أن إثبات الصفات يستلزم إثبات الوحدة العددية المتوقفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى ، وتنتج المقدمتان أن كمال معرفته تعالى يستوجب نفى الوحدة العددية منه ، وإثبات الوحدة بمعنى آخر ، وهو مراده عليه السلام من سرد الكلام . أما مسألة نفى الصفات عنه فقد بينه عليه السلام بقوله : " أول الدين معرفته " لظهور أن من لم يعرف الله سبحانه ولو بوجه لم يحل بعد في ساحة الدين والمعرفة ربما كانت مع عمل بما يرتبط به من الافعال وترتب آثار المعروف ، وربما كانت من غير عمل ، ومن المعلوم أن العلم فيما يتعلق نوع تعلق بالاعمال إنما يثبت ويستقر في النفس إذا ترتب عليه آثاره العملية ، وإلا فلا يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالفة حتى يبطل أو يصير سدى لا أثر له ، ومن كلامه عليه السلام في هذا الباب - وقد رواه في النهج - : " العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه " .