السيد الطباطبائي

72

تفسير الميزان

تهديد لهم بالعذاب الأليم الأخروي الذي هو ظاهر الآية الكريمة . ولما كان القول بالتثليث الذي تتضمنه كلمة : " إن الله ثالث ثلاثة " ليس في وسع عقول عامة الناس أن تتعقله فأغلب النصارى يتلقونه قولا مذهبيا مسلما بلفظه من غير أن يعقلوا معناه ، ولا أن يطمعوا في تعقله كما ليس في وسع العقل السليم أن يعقله عقلا صحيحا ، وإنما يتعقل كتعقل الفروض المحالة كالانسان اللاإنسان ، والعدد الذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد فلذلك تتسلمه العامة تسلما من غير بحث عن معناه ، وإنما يعتقدون في البنوة والأبوة شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث ، وإنما يمضغون الكلمة مضغا ، وينتمون إليها انتماء بخلاف غير العامة منهم وهم الذين ينسب الله سبحانه إليهم اختلاف المذاهب ويقرر أن ذلك ببغيهم كما قال تعالى : " أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه - إلى أن قال : - وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " ( الشورى : 14 ) . فالكفر الحقيقي الذي لا ينتهى إلى استضعاف - وهو الذي فيه إنكار التوحيد والتكذيب بآيات الله - إنما يتم في بعضهم دون كلهم ، وإنما أوعد الله بالنار الخالد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ، قال : " والذين كفروا وكذبوا بآيات الله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " ( البقرة : 39 ) إلى غير ذلك من الآيات ، وقد مر الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى : " إلا المستضعفين " ( الآية ) ( النساء : 98 ) . ولعل هذا هو السر في التبعيض الظاهر من قوله : " ليمسن الذين كفروا منهم " أو أن المراد به الإشارة إلى أن من النصارى من لا يقول بالتثليث ، ولا يعتقد في المسيح إلا أنه عبد الله ورسوله ، كما كانت على ذلك مسيحيوا الحبشة وغيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى : لئن لم ينته النصارى عما يقولون ( نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم ) ليمسن الذين كفروا منهم - وهم القائلون بالتثليث منهم - عذاب أليم . وربما وجهوا الكلام أعني قوله : " ليمسن الذين كفروا منهم " بأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر ، والأصل : ليمسنهم ( انتهى ) ، وإنما عدل إلى وضع الموصول وصلته مكانه ليدل على أن ذلك القول كفر بالله ، وأن الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به .