السيد الطباطبائي

68

تفسير الميزان

لرؤس الآي ، انتهى . قوله تعالى : " وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا " ( الخ ) ، متمم للكلام في الآية السابقة ، والحسبان هو الظن ، والفتنة هي المحنة التي تغر الانسان أوهى أعم من كل شر وبلية ، والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من الشر ، والصمم عدم سماع العظة وعدم الأعباء بالنصيحة وهذا العمى والصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة ، والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل وأنهم أبناء الله وأحباؤه فلا يمسهم السوء وإن فعلوا ما فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا . فمعنى الآية - والله أعلم - أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن إبصار الحق ، وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم . وهذا مما يرجح ما احتملناه أن الآيات كالحجة المبينة لقوله : " إن الذين آمنوا والذين هادوا " ( الآية ) فمحصل المعنى أن الأسماء والألقاب لا تنفع أحدا شيئا فهؤلاء اليهود لم ينفعهم ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بالتسمي بل أعماهم وأوردهم مورد الهلكة والفتنة لما كذبوا أنبياء الله وقتلوهم . قوله تعالى : " ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون " التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم ، وهذا يدل على أن الله سبحانه قد كان بعدهم من رحمته وعنايته ولذلك أخذهم الحسبان المذكور ولزمهم العمى والصمم ، لكن الله سبحانه رجع إليهم ثانية بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم ، والعمى والصمم عن أبصارهم وآذانهم ، فعرفوا أنفسهم بأنهم عباد لا كرامة لهم على الله إلا بالتقوى ، وأبصروا الحق وسمعوا عظة الله لهم بلسان أنبيائه فتبين لهم أن التسمي لا ينفع شيئا . ثم عموا وصموا كثير منهم ، وإسناد العمى والصمم إلى جمعهم أولا ثم إلى كثير منهم - بإتيان كثير منهم بدلا من واو الجمع - أخذ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أن إسناد العمى والصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى الكل ، والواقع أن