السيد الطباطبائي
370
تفسير الميزان
ولو أنهم تفطنوا قليلا وتدبروا في أطراف الآيات المتعرضة لأمر الذنب والمعصية بالمعنى المصطلح عليه ، وهى مخالفة الأمر والنهي المولويين تنبهوا إلى أن من المغفرة ما هو فوق المغفرة المعروفة . فإن الله سبحانه يكرر في كلامه أن له عبادا يسميهم بالمخلصين مصونين عن المعصية لا مطمع فيهم للشيطان فلا ذنب - بالمعنى المعروف - لهم ولا حاجة إلى المغفرة المتعلقة بذلك الذنب ، وقد نص في حق عدة من أنبيائه كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى أنهم مخلصون كقوله في إبراهيم وإسحاق ويعقوب : " إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار " ( ص : 46 ) وقوله في يوسف : " إنه من عبادنا المخلصين " ( يوسف : 24 ) وقوله في موسى : " إنه كان مخلصا " ( مريم : 51 ) وقد حكى عنهم سؤال المغفرة كقول إبراهيم عليه السلام : " ربنا اغفر لي ولوالدي " ( إبراهيم : 41 ) وقول موسى عليه السلام : " رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك " ( الأعراف : 151 ) ولو كانت المغفرة لا يتعلق إلا بالذنب بالمعنى المعروف لم يستقم ذلك . نعم ربما قال القائل : إنهم عليه السلام يعدون أنفسهم مذنبين تواضعا لله سبحانه ولا ذنب لهم لكن ينبغي لهذا القائل أن يتنبه إلى أنهم عليهم السلام لم يخطأوا في نظرهم هذا ، ولم يجازفوا في قولهم فلشمول المغفرة لهم معنى صحيح والمسألة جدية . على أن في دعاء إبراهيم عليه السلام : " ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب " دعاء لكافة المؤمنين - وفيهم المخلصون - بالمغفرة ، وكذا في دعاء نوح عليه السلام : " رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات " ( نوح : 28 ) شمول بإطلاقه للمخلصين ، ولا معنى لطلب المغفرة على من لا ذنب له يحتاج إلى المغفرة . فهذا كله ينبهنا إلى أن من الذنب المتعلق به المغفرة ما هو غير الذنب بالمعنى المتعارف وكذا من المغفرة ما هي غير المغفرة بمعناها المتعارف ، وقد حكى الله تعالى عن إبراهيم قوله : " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " ( الشعراء : 82 ) ولعل هذا هو السبب فيما نشاهد أنه تعالى في موارد من كلامه إذا ذكر الرحمة أو الرحمة الأخروية التي هي الجنة قدم عليه ذكر المغفرة كقوله : " وقل رب اغفر وارحم " ( المؤمنون : 118 ) وقوله : " واغفر لنا وارحمنا " ( البقرة : 286 ) وقوله حكاية عن آدم وزوجته : " وإن