السيد الطباطبائي
37
تفسير الميزان
فهذا كله بيان لكونهم غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ، حيث إنهم غير نائلين ما قصدوه من إثارة الحروب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وما اجتهدوا لأجله من فساد الأرض . قوله تعالى : " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ( إلخ ) عود إلى حال أهل الكتاب عامة كما كان بدأ الكلام فيهم عامة ، وختم الكلام بتخليص القول في ما فاتهم من نعمة السعادة في الآخرة والدنيا ، وهى جنة النعيم ونعمة الحياة السعيدة . والمراد بالتقوى بعد الايمان التورع عن محارم الله واتقاء الذنوب التي تحتم السخط الإلهي وعذاب النار ، وهى الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة التي أوعد الله عليها النار ، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب ، وينطبق على قوله سبحانه : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " ( النساء : 31 ) . قوله تعالى : " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " المراد بالتوراة والإنجيل الكتابان السماويان اللذان يذكر القرآن أن الله أنزلهما على موسى وعيسى عليهما السلام دون ما بأيدي القوم من الكتب التي يذكر أنه لعبت بها يد التحريف . والظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء الموجودة عندهم كمزامير داود الذي يسميه القرآن بالزبور ، وغيره من الكتب . وأما احتمال أن يكون المراد به القرآن فيبعده أن القرآن نسخ بأحكامه شرائع التوراة والإنجيل فلا وجه لعدهما معه وتمنى أن يكونوا أقاموهما مع القرآن الناسخ لهما ، والقول بأن العمل بالقرآن عمل بهما أيضا ، كما أن العمل بالأحكام الناسخة في الاسلام عمل بمجموع شرائع الاسلام المتضمنة للناسخ والمنسوخ جميعا لكون دين الله واحدا لا يزاحم بعضه بعضا ، غاية الأمر أن بعض الأحكام مؤجلة موقوتة من غير تناقض يدفعه أن الله سبحانه عبر عن هذا العمل بالإقامة وهى حفظ الشئ على ساق ، ولا يلائم ذلك الاحكام المنسوخة بما هي منسوخة ، فإقامة التوراة والإنجيل إنما يصح حين كانت