السيد الطباطبائي
354
تفسير الميزان
لكن هذا المقدار أعني ارتفاع اسم الاستعباد والاسترقاق من الألسنة وغيبة المسمين بهذا الاسم عن الانظار هل يقنع الباحث الناقد في هذه المسألة ؟ أوليس يسأل أن هذه المسألة هل هي مسألة لفظية يجزى فيها المنع من أن يذكر الاسم ، ويكفى في إجرائها أن يسمى العبد حرا وإن سلب منافع عمله وتبع غيره في إرادته ، أو أن المسألة معنوية يراعى فيها حال المعنى بحسب حقيقته وآثاره الخارجية ؟ . فهاتيك الحرب العالمية الثانية لم يمض عليها إلا بضع عشرة سنة حملت الدول الفاتحة على عدوها المغلوب التسليم بلا شرط ثم احتلوا بلادهم ، وأخذوا ملايين من أموالهم ، وتحكموا على نفوسهم وذراريهم ، ونقلوا الملايين من أسراهم إلى داخل مملكتهم يستعملونهم فيما شاؤوا وكيف شاؤوا ، والامر يجرى على ذلك حتى اليوم . فليت شعري هل للاستعباد مصداق ليس به وإن منع من إطلاق لفظه ؟ وهل له م عنى إلا سلب إطلاق الحرية ؟ وتملك الإرادة والعمل ، وإنفاذ القوى المتعزز حكمه في الضعيف المستذل كيف شاء وأراد عدلا أو ظلما ؟ . فيا لله العجب يسمى حكم الاسلام بنظير الحكم على أصلح وجه يمكن استعبادا ولا يسمى حكمهم بذلك ، والاسلام يأخذ فيه بأسهل الوجوه وأخفها وهم يأخذون بأشقها وأعنفها فقد رأينا محبتهم وصداقتهم حينما احتلوا بلادنا تحت عنوان المحبة والحماية والوقاية ، فكيف حال من استعلوا عليه بالعداوة والنكاية . ومن هنا يظهر أن قرار الالغاء لم يكن إلا لعبا سياسيا هو في الحقيقة أخذ في صورة الرد ، أما الاستعباد عن حرب وقتال فقد أنفذه الاسلام وأنفذوه عملا وإن منعوا عن التلفظ باسمه لسانا ، وأما الاستعباد من طريق بيع الاباء أبناءهم الذي منعوه فقد كان الاسلام منعه من قبل ، وأما الاستعباد من طريق الغلبة والسلطة الحكمية فقد منعه الاسلام من قبل ، وأما هؤلاء فقد أجمعوا على منعه لكن هل توقف المنع في مرحلة اللفظ كنظيره أو تعداها إلى مرحلة المعنى ووافقه العمل ؟ ! . يمكنك أن تستخرج الجواب لهذا السؤال بإمرار النظر في تاريخ الاستعمارات الأروبية في آسيا وإفريقيا وأميركا ، والفجائع التي ارتكبوها ، والدماء والاعراض والأموال التي أهرقوها واستباحوها ونهبوها ، والتحكمات التي أتوا بها وليس بالواحد