السيد الطباطبائي

300

تفسير الميزان

( هود : 50 ) وقوله لقومه : " قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان " ( الأعراف : 71 ) ، وقال تعالى يحكى عن لوط : " بل أنتم قوم مسرفون " ( الأعراف : 81 ) وحكى عن إبراهيم من قوله لقومه : " أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " ( الأنبياء : 67 ) وحكى عن موسى في جواب قول فرعون له : " إني لأظنك يا موسى مسحورا " قال لقد علمت ما انزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا " ( الاسراء : 102 ) أي ممنوعا من الايمان بالحق مطرودا هالكا ، إلى غير ذلك من الموارد . فهذه كلها من رعاية الأدب في جنب الحق واتباعه ، ولا مطلوب أعز منه ولا بغية أشرف منه وأغلى ، وإن كان في بعضها ما ينافي الأدب الدائر بين الناس لابتناء حياتهم على اتباع جانب الهوى والسلوك إلى أمتعة الحياة بمداهنة المبطلين والخضوع والتملق إلى المفسدين والمترفين سياسة في العمل . وجملة الامر أن الأدب كما تقدم في أول هذه المباحث إنما يتأتى في القول السائغ والعمل الصالح ، ويختلف حينئذ باختلاف مسالك الحياة في المجتمعات والآراء والعقائد التي تتمكن فيها وتتشكل هي عنها ، والدعوة الإلهية التي تستند إليها المجتمع الديني إنما تتبع الحق كي الاعتقاد والعمل ، والحق لا يخالط الباطل ولا يمازجه ولا يستند إليه ولا يعتضد به ، فلا محيص عن إظهاره واتباعه ، والأدب الذي يتأتى فيه أن يسلك في طريق الحق أحسن المسالك ويتزيى فيه بأظرف الأزياء كاختيار لين القول إذا صح أن يتكلم بلينة وخشونة ، واختيار الاستعجال في الخير إذا أمكن فيه كل من المسارعة والتبطي . وهذا هو الذي يأمر به في قوله تعالى : " وكتبنا له - أي لموسى - في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها " ( الأعراف : 145 ) وبشر عباده الآخذين به في قوله : " فبشر عباد ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب " ( الزمر : 18 ) فلا أدب في باطل ولا أدب في ممزوج من حق وباطل فإن الخارج من صريح الحق ضلال لا يرتضيه ولى الحق وقد قال : " فماذا بعد الحق إلا الضلال " ( يونس : 32 ) .