السيد الطباطبائي
291
تفسير الميزان
" المائدة : 118 " . تأدب عليه السلام في كلامه أولا بأن صدره بتنزيهه تعالى عما لا يليق بقدس ساحته كما جرى عليه كلامه تعالى قال : " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه " ( الأنبياء : 26 ) . وثانيا بأن اخذ نفسه أدون واخفض من أن يتوهم في حقه ان يقول مثل هذا القول حتى يحتاج إلى أن ينفيه ، ولذلك لم يقل من أول مقالته إلى آخرها : " ما قلت " أو " ما فعلت " وإنما نفى ذلك مرة بعد مرة على طريق الكناية وتحت الستر فقال : " ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " فنفاه بنفي سببه أي لم يكن لي حق في ذلك حتى يسعني أن أتفوه بمثل ذاك القول العظيم ، ثم قال : " إن كنت قلته فقد علمته ، الخ " فنفاه بنفي لازمه أي إن كنت قلته كان لازم ذلك أن تعلمه لان علمك أحاط بي وبجميع الغيوب . ثم قال : " ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربى وربكم " فنفاه بإيراد ما يناقضه مورده على طريق الحصر بما وإلا أي إني قلت لهم قولا ولكنه هو الذي أمرتني به وهو ان اعبدوا الله ربى وربكم ، وكيف يمكن أن أقول لهم مع ذلك أن اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ . ثم قال : " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " وهو نفى منه عليه السلام لذلك كالمتمم لقوله : " ما قلت لهم إلا ما أمرتني به " ( الخ ) وذلك لان معناه : ما قلت لهم شيئا مما ينسب إلى والذي قلت لهم إنما قلته عن أمر منك ، وهو " أن اعبدوا الله ربى وربكم " ولم يتوجه إلى أمر فيما سوى ذلك ، ولا مساس بهم إلا الشهادة والرقوب لاعمالهم ما دمت ، فلما توفيتني انقطعت عنهم ، وكنت أنت الرقيب عليهم بشهادتك الدائم العام قبل أن توفيتني وبعده وعليهم وعلى كل شئ غيرهم . وإذ قد بلغ الكلام هذا المبلغ توجه له عليه السلام أن ينفى ذلك القول عن نفسه بوجه آخر متمم للوجوه التي ذكرها ، وبه يحصل تمام النفي فقال : " إن تعذبهم فإنهم عبادك ، ( الخ ) يقول - على ما يؤيده السياق - وإذا كان الامر على ما ذكرت فأنا بمعزل منهم وهم بمعزل منى فأنت وعبادك هؤلاء إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وللسيد الرب أن يعذب عبيده بمخالفتهم وإشراكهم به وهم مستحقون للعذاب ، وإن تغفر لهم فلا