السيد الطباطبائي
241
تفسير الميزان
ما حده الله سبحانه له فلم يقل إلا ما أمر أن يقول ذلك ، واشتغل بالعمل بما كلفه الله أن يشتغل به وهو أمر الشهادة ، وقد صدقه الله تعالى فيما ذكره من حق الربوبية والعبودية . وبهذا تنطبق الآيات على الغرض النازل لأجله السورة ، وهو بيان الحق المجعول لله على عباده أن يفوا بالعهد الذي عقدوه وأن لا ينقضوا الميثاق ، فليس لهم أن يسترسلوا كيفما أرادوا وأن يرتعوا رغدا حيث شاؤوا فلم يملكوا هذا النوع من الحق من قبل ربهم ، ولا أنهم قادرون على ذلك من حيال أنفسهم ، ولله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير ، وبذلك تختتم السورة . قوله تعالى : " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " " إذ " ظرف متعلق بمحذوف يدل عليه المقام ، والمراد به يوم القيامة لقوله تعالى فيها : " قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " وقول عيسى عليه السلام فيها " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " . وقد عبرت الآية عن مريم بالأمومة فقيل : " اتخذوني وأمي إلهين " دون ان يقال : " اتخذوني ومريم إلهين " للدلالة على عمدة حجتهم في الألوهية وهو ولادته منها بغير أب ، فالبنوة والأمومة الكذائيتين هما الأصل في ذلك فالتعبير به وبأمه أدل وأبلغ من التعبير بعيسى ومريم . و " دون " كلمة تستعمل بحسب المآل في معنى الغير ، قال الراغب : يقال للقاصر عن الشئ " دون " قال بعضهم : هو مقلوب من الدنو ، والأدون الدنى ، وقوله تعالى : " لا تتخذوا بطانة من دونكم " أي من لم يبلغ منزلتكم في الديانة ، وقيل : في القرابة ، وقوله : " ويغفر ما دون ذلك " أي ما كان أقل من ذلك ، وقيل : ما سوى ذلك ، والمعنيان متلازمان ، وقوله : " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " أي غير الله ، انتهى . وقد استعمل لفظ " من دون الله " كثيرا في القرآن في معنى الاشراك دون