السيد الطباطبائي
182
تفسير الميزان
دائرا بينهم بل مهمة نفيسة تبذل دونها أنفس الأوقات وأغلى الأثمان منذ أقدم الاعصار . ومن الدليل عليه أن الأقوام الهمجية الساكنة في أطراف المعمورة ، كإفريقية وغيرها ويوجد بينهم حتى اليوم بقايا من أساطير السحر والكهانة والاذعان بحقيقتهما وإصابتهما . والاعتبار الدقيق فيما نقل إلينا من المذاهب والأديان القديمة كالبرهمانية والبوذية والصابئة والمانوية والمجوسية واليهودية والنصرانية والاسلام ، كل ذلك يعطى أن المهمة معرفة النفس والحصول على آثارها تسربا عميقا فيها وإن كانت مختلفة في وصفها وتلقينها وتقويمها . فالبرهمانية - وهى مذهب هند القديم - وإن كانت تخالف الأديان الكتابية في التوحيد وأمر النبوة غير أنها تدعو إلى تزكية النفس وتطهير السر وخاصة للبراهمة أنفسهم . نقل عن البيروني في كتاب ما للهند من مقولة قال : عمر البرهمن بعد مضى سبع سنين منه منقسم لأربعة أقسام : فأول القسم الأول هي السنة الثامنة يجتمع إليه البراهمة لتنبيهه وتعريفه الواجبات عليه ، وتوصيته بالتزامها واعتناقها ما دام حيا . قال : وقد دخل في القسم الأول إلى ( 1 ) السنة الخامسة والعشرين من سنه إلى السنة الثامنة والأربعين ، فيجب عليه فيها أن يتزهد ويجعل الأرض وطاءه ، ويقبل على تعلم " بيذ " وتفسيره علم الكلام والشريعة من أستاذ يخدمه آناء ليله ونهاره ، ويغتسل كل يوم ثلاث مرات ، ويقدم قربان النار في طرفي النهار ، ويسجد لأستاذه بعد القربان ، ويصوم يوما ويفطر يوما مع الامتناع عن اللحم أصلا ، ويكون مقامه في دار الأستاذ ، ويخرج منها السؤال والكدية من خمسة بيوت فقط كل يوم مرة عند الظهيرة أو المساء ، فما وجد من صدقة وضعه بين يدي أستاذه ليتخير منه ما يريد ثم يأذن له في الباقي فيتقوت بما فضل منه ، ويحمل إلى النار حطبها ، فالنار عندهم معظمة والأنوار مقتربة . وكذلك عند سائر الأمم فقد كانوا يرون تقبل القربان بنزول النار عليها ، ولم يثنهم
--> ( 1 ) من ظ .