السيد الطباطبائي
170
تفسير الميزان
بالله سبحانه ، ورد أولا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في رواية أخرى : أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه ، وثانيا بأن الحديث في معنى عكس النقيض لقوله تعالى : " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم " . وفيه عنه عليه السلام : قال : الكيس من عرف نفسه وأخلص أعماله . أقول : تقدم في البيان السابق معنى ارتباط الاخلاص وتفرعه على الاشتغال بمعرفة النفس . وفيه عنه عليه السلام : قال : المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين . أقول : الظاهر أن المراد بالمعرفتين المعرفة بالآيات الأنفسية والمعرفة بالآيات الآفاقية ، قال تعالى : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد " " حم السجدة : 53 " وقال تعالى : " وفي الأرض آيات للموقنين ، وفي أنفسكم أفلا تبصرون " ( الذاريات : 21 ) . وكون السير الا نفسي أنفع من السير الآفاقي لعله لكون المعرفة النفسانية لا تنفك عادة من إصلاح أوصافها وأعمالها بخلاف المعرفة الآفاقية ، وذلك أن كون معرفة الآيات نافعة إنما هو لان معرفة الآيات بما هي آيات موصلة إلى معرفة الله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله ككونه تعالى حيا لا يعرضه موت ، وقادرا لا يشوبه عجز ، وعالما لا يخالطه جهل ، وأنه تعالى هو الخالق لكل شئ ، والمالك لكل شئ ، والرب القائم على كل نفس بما كسبت ، خلق الخلق لا لحاجة منه إليهم بل لينعم عليهم بما استحقوه ثم يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى . وهذه وأمثالها معارف حقة إذا تناولها الانسان وأتقنها مثلت له حقيقة حياته ، وأنها حياة مؤبدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة ، وليست بتلك المتهوسة المنقطعة اللاهية اللاغية ، وهذا موقف علمي يهدى الانسان إلى تكاليف ووظائف بالنسبة إلى ربه وبالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا والحياة الآخرة ، وهى التي نسميها بالدين ، فإن السنة التي يلتزمها الانسان في حياته ، ولا يخلو عنها حتى البدوي والهمجي إنما يضعها ويلتزمها أو يأخذها ويلتزمها لنفسه من حيث إنه يقدر لنفسه نوعا من الحياة أي نوع كان ،